Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
قديم 03-21-2015, 08:11 AM   #5701
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(916)
وحين سألناهم وأخبرونا أنّهم وجدوها ميتة، تأثرنا وحزنا كثيراً على موتها... فهي صغيرة، جميلة، وذيلها طويل.
(917)
من المفترضِ أنْ يستخدمَ الناسُ كلّ شيءٍ على مقاسهم.. كالقميص، البنطال، الجلباب، والحذاء.. ولكن هناك بعضَ الناسِ يستخدمون أنواعاً صغيرةً جداً من الخبز.
(918)
تنوحُ في الضُّحى يمامة، من هولِ ما رأتْ، أصابها جنون.. ما همُّها غمامة، جفّتْ أم سقتْ، بدمعها الهتون: (قُضِي الأمر.. البيوتُ احترقت، الجثثُ احترقت، الأشجارُ احترقت، الأفراحُ احترقت، الأحزانُ احترقت.. لا موتى يدفنون.. لا موتى يدفنون.. لا موتى يدفنون)
(919)
كلمةُ السّر في سفينتنا عندَ الأغنامِ ماع، الأبقار باع، الكلاب هو، العصافير سيك، الغربان قاق، الدجاج كاك، الزمن تِك، وعند الناس: (منذُ الانفصالِ وحتى اليومَ ونحن نسافر.. وصلنا لتوّنا إلى هنا، وبعدَ قليلٍ سنسافرُ إلى جهةٍ مجهولةٍ لا ندري إلى أين.. فالأمرُ متروكٌ للظروف، وكلّ الناس حاكماها ظروف)
(920)
(كلّ من قتلناه من الدفاعِ الشعبي، تجدون في بطنه حبةً صغيرةً تجعله يفقدُ عقله، ويقتلُ أباه وأخاه، أو يغتصبُ أمه وأخته)
***
يوم عثروا على هذه الوثيقةِ في الألفيةِ السادسة، نبشوا عشراتِ الآلاف من المقابر في طولِ البلادِ وعرضها، قبلَ أنْ يكتشفوا أنّها مجرد حيلةٍ من الأسلافِ قصدوا منها للتخلّص من رمم السفلةِ النتنةِ النجسة.. فجمعوها كلّها في مكانٍ واحد، أحرقوها، وأرسلوا الرمادَ بحفارةٍ إلى الأرضِ السابعةِ وفجّروها هناك.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-21-2015, 01:23 PM   #5702
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(921)
هنا قبلَ أنْ تصابَ بالجنونِ بلحظاتٍ معدودة، حين تشعرُ بالحرِّ تجلسُ تحتَ الظل، وحين تشعرُ بالظلِّ تجلسُ تحتَ الحر.
(922)
الجميعُ اصطفوا على جانبي الخط المستقيم.. البعضُ من هذا الجانبِ هنا، والبعضُ من ذاك الجانب هناك، إلاّ هم.. فهم الوحيدون الذين اصطفوا على جانبٍ آخر.
(923)
حين عبرن من هنا قبلَ ثلاثةِ أيامٍ في طريقهن من القريةِ إلى البئر، كان هذا المكانُ خالياً ولا يوجدُ فيه أيّ شيء.. وحين عدن من البئرِ في طريقهن إلى القريةِ مساء اليوم، كان هذا المكانُ أيضاً خالياً ولا يوجدُ فيه أيّ شيء.
(924)
اليومَ وقد مضتْ على عودةِ الوحدةِ ألف عام، ورغم أنّ الملاعين الذين فتّتوا وطنهم في مطلعِ الألفيةِ الثالثةِ بعشرات الآلاف، إلاّ أنّك لو لعنتَ أحدَ هؤلاء الملاعين بالاسم، وبصوتٍ مسموع، لن يسألك أيّ شخص: (من هذا؟) فهم معروفون لدي الجميع بالأسماء، ولا زالوا يلعنونهم ليل نهار، ويدعون عليهم بالنار.
(925)
في كلّ يومٍ يُدخِلون المئات، ولا يعيّنون منهم إلاّ خمسةً أو ستة.. فعادةً قبلَ تعيين الوزراء، يدخلونهم غرفةَ عملياتٍ صغيرةٍ ملحقةٍ بمجلسِ الوزراء الاتحادي، ويخضعونهم لعمليةٍ جراحيةٍ تجعلُ العينين لا تنظران إلى مكانٍ واحدٍ وإنما اليمنى إلى وجه المواطن، واليسرى إلى جيبه.. فإنْ نجحتْ العمليةُ عيّنوه، وإلاّ أخرجوه من البابِ الخلفي دونَ أنْ يعلمَ أحد.. ففي كلّ يومٍ يُدخِلون المئات، ولا يعيّنون منهم إلاّ خمسةً أو ستة، والبقية يخرجونهم من البابِ الخلفي في سريةٍ تامةٍ دونَ أنْ يعلمَ أحد.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-21-2015, 01:25 PM   #5703
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(926)
الجميلةُ ذات الخدِّ الأثيل، التي عبرتْ بسيارتها من أمامنا ونحن نجلسُ للمقيل، حين تجسّسنا عليها البارحة، اكتشفنا أنّها وزير.
(927)
في عصر الانحطاط كانتْ الشمسُ تشرق أولاً، تمضي نهارها تسيرُ على قدميها في طريقٍ غير مسفلت، عند المغيبِ تعودُ مسرعةً، وتجلسُ على رؤوسنا للمقيل.
(928)
من يعيشون هنا ـ هذا إنْ حسبناهم يعيشون ـ كانوا من المؤمنين الموحدين وإلههم واحدٌ أحد، لمْ يلدْ ولمْ يولد.. واستمرّ الحالُ هكذا حتى بدايةَ الألفيةِ الثالثة، حين أضافوا أمريكا وإسرائيل، فباتتْ خطبةُ الجمعةِ لا تجوزُ إنْ لمْ تبدأ بذكر الله، وتختتمُ بذكرهما.
(929)
في بلدنا حين تتحدّث عن الفأرِ مثلاً، فالناسُ كلّهم هنا يعرفونه، ومهما فعلتَ حتى ولو نبشتَ من ماتوا من الجوع، أو من قتلتهم الخيول، لن تجدَ شخصاً واحداً لا يعرفه.. فهو حيوانٌ صغيرٌ كان من القوارضِ يوم كان هناك ما يُقرض، له ذيلٌ واحد، عدةُ أرجل، ويأكلُ الفولَ يومَ كان في بلدنا فول.. أمّا حين تتحدّث عن الوزير، فالوزراء هناك عددٌ كبيرٌ جداً منهم.
(930)
ـ صباح الخير يا أستاذ.
ـ أهلااً صباح الخير.. هااه.. ما الأخبار؟
ـ تركنا المنحطين يغنون ويرقصون احتفالاً بالانفصال.
ـ يحتفلون للانفصال، ويغنون ويرقصون وأنا هنا؟ طيب كلوا هذا الحب، واحملوا إليهم هذا الموضوع سريعاً قبلَ أنْ يتحوّل إلى قصة، وقولوا لهم نحن هنا.
***
وكانتْ تلك آخر ما كتب.. فبعدها بيومين فقط، وبعدها بيومين فقط ـ وحتى لا يفرح الانفصاليون المنحطون ـ ما كتب.. وحتى يصابوا بالضغط والسكري الذي لمْ يقتلنا نحن ويموتوا، وبعدها بيومين ما كتبَ لآنّ الوحدةَ عادتْ.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-21-2015, 01:28 PM   #5704
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(931)
قدره أنْ يكونَ مُعدماً.. وحين تحدى قدره وحاولَ أنْ يكونَ غنياً بطريقته هو الخاصة، فقدَ حتى القليل.. أُعدِم.
(932)
كلّ الشعبِ هنا اليومَ يتساءل: (تُرى! حين يذهبُ المنحطون إلى من أسمونا نحن سلةَ غذاءِ العالم يتسوّلون القمح.. ماذا يقولون؟)
(933)
يومَ عادتْ الوحدة، من الفرحةِ لمْ يسعْ النيلَ مجراه فطار.. وكانتْ تلك المرة الأولى التي ترى فيها الغزلانُ المحلقةُ عالياً، الأسماكَ عاريةً تتجوّلُ في الغابات. ما جعلها تتساءل: (من هذا يا جماعة؟ أرانبٌ بلا أرجل؟)
(934)
يجلسُ على شرفةِ القصرِ يتناولُ الشاي بالنعناع ـ هو تاب ـ يتفرّجُ على المارةِ العابرين أمامه وهم مائة مجنون، مائة متسوّل، مائة وافد، ثلاثمائة إلاّ واحداً من الوزراء ـ هو لا يدخّن ويسف التمباك في الخفاء ـ وضعَ سفةً صغيرةً خلسة، بصق على جلبابه ـ هو أصلاً عوير ومبدّل ـ وتساءل مندهشاً: (لمَ الوزراء أقل من المواطنين؟)
(935)
كلّما توهّمتُ أنني استنفدتُ كلّ تقنياتَ وفنونَ كتابةَ القصة منذُ أول قصةٍ حكتها حواء لعيالها وهم في سمر، وحتى القصةَ الأخيرة التي حكاها لنا رئيسنا في لقاءٍ جماهيري عقب عودته من لاهاي سالماً غانماً، ولمْ أبقِ منها شيئاً يستحقُ أنْ يُكتب، وأقرّرُ التوقّف عن الكتابةِ نهائياً والتفرغ للتسوّل، ثمّ أجلسُ مع سكانَ سفينتنا للسمر، تحتَ ضوءِ القمر، واستمعُ إلى قصصهم، اكتشفُ أنني بالكاد بدأت، هذا إنْ لمْ أكنْ على وشكِ أنْ أبدأ.. ما أروعهم من عباقرة! ما كلّ هذا الإبداع! فتجدُ بعضهم يبني قصته كلّها على الوصفِ البحت وكأنه يرسم لوحة، البعض على الحوار فيستنطق الصخر المسكين المظلوم، البعضُ على المبالغات فيجعلك تصدّق أن قطتهم أكبر من جملكم فتتمنى لو أنه يوافق على البدل، البعضُ يهمه ما حدث في زمنٍ ما، في مكانٍ ما، دونَ أنْ يذكرَ لك اسماً، البعض يستدرجك رويداً رويدا حتى يجعلك تقتنع أنّ في قريتكم مدرسة ومستشفى وبئر وإسفلت وقصور، البعض لا تهمه غير الأحاسيس فهو يجعلك تحب شيئاً كنت تكرهه أو تكره آخر كنت تحبه، آخرون يجعلونك تحس وكأنك لازلت في قريتكم ولكنك تحلم، البعض يغوصون عميقاً في التفاصيل الدقيقة فتجد نفسك عالقاً بحلقوم ضفدعة، البعضُ يقفزون فوقها، البعضُ يحدثك عن الذبابةِ وكأنّها إنسان، آخرون تتابعهم بتشوقٍ شديدٍ لساعتين وفي النهاية يقول لك خلاص. فتكتشفُ أنّه لمْ يقلْ أيّ شيء، والبعضُ يحكي لك عن حبيبته حتى تكادُ تبكي، لتفاجأ في النهايةِ أنّه يتحدثُ عن خبزةٍ فتنفجرُ في الضحك.. عندها أقول في نفسي معجباً: (يا سلاام.. ما أروعهم من عباقرة! ما كلّ هذا الابداع!) وأكتشفُ أنّني بالكاد بدأتُ كتابةَ القصص، أو على وشكِ أنْ أبدأ.. فأنوي الصيام، أؤجلُ قرارَ الاعتزال، وأواصل كتابة القصص، أو قلْ ألغي كلّ ما كتبت، وأبدأ كتابةَ القصةِ الأولى.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-22-2015, 10:00 AM   #5705
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(936)
تحت السرير الرئاسي هناك، دائماً مشغول.. لا يجدُ ما يكفي من الوقتِ ليفتقّدِ الجرذان.
(937)
النعمةُ التي يحتقرها الإنسانُ حين تثأرُ لنفسها منه أبداً لا تعود.. فهؤلاء بعدَ أنْ كانتْ لهم جنةُ السودان بنيلها وحورها ويسخطون ويتبرّمون، اليوم يتسولون ويتحسرون.
(938)
سألَ تلاميذه في حصةِ الثقافةِ الجديدة: (إنْ كنتَ أنا طبيباً، وأنتَ مهندساً.. ماذا سيحدث؟) البعضُ أجابوا بأنّه سيعالجهم، والبغضُ أجابوا بأنّهم سيبنون له بيتاً.. فقال لهم: (بل سأعالجُ أنا كلّ الناس، وأنتَ ستبني لكلّ واحدٍ منهم بيتاً)
(939)
خلو وجدان
وقبلَ عودةِ الوحدةِ بعقدين كاملين، وقد تأكد لنا الأمر تماماً، كان كلّ همنا هو كيف سنجمعُ هذا التراثَ والإرثَ الثقافي السوداني الهائل والضخم المتناثر في العالم كالجواهر، وأكسب العالم هذه النكهة المميزة الفريدة الجميلة، ولم يخلُ منه شبر في الماء ولا اليابسة، ونحن نعلم طبعاً أنّ بعض الدول سترفض التخلي عنه بسهولة، وأخرى ستبتزنا وتطالب بخلو وجدان مرتفع.
(940)
نتانةٌ لا يعرفها غير الناس
منذُ المغيبِ ونحن نركض.. وفي الصباحِ بالكاد عبرنا الحدودَ حين أعلنَ المنحطون الانفصال وقد تركنا كلّ أنعامنا هناك.. ولدهشتنا فكلّ هذه المسافةِ التي ركضناها تلك الليلة، عبرتها أنعامنا في أسبوعٍ واحدٍ فقط، لنفاجأ بها في اليومِ الثامن وقد جاءتْ تبحث عنا، وكأنّها تريدُ أنْ تسألنا ما الذي أخافنا وهي لمْ ترَ مندوبَ ديوانِ الزكاةِ والجزية، ولا الدفاع الشعبي، ولا الحركة الشعبية.. واحتفالاً بقدومها الميمون ذبحنا منها اثنتين، وحلبنا برميلين.. وبعدَ أنْ أكلنا، وشربنا، ورقصنا، نمنا.. واندهشنا جداً حين استيقظنا في الصباح ولمْ نجدها. وحين قصصنا الأثر اكتشفنا أنّ الغبيةَ قد عبرتْ الحدودَ وكأنّ أمرَ الانفصال لا يعنيها، أو أنّها لا تعترفُ بحكومتنا أصلاً.. فوقفنا هناك محتارين لا ندري ماذا نفعل، ووقتها منا من تمنّى من كلّ قلبه لو أنّه خروف، البعضُ جمل، البعضُ تيس، البعضُ ثور، والبعضُ كلب.. أمّا أنا شخصياً، فأحبُّ البغالَ موت.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-22-2015, 10:02 AM   #5706
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(941)
سألها وهو يخفي إعجابه: (لمَ أنتِ قبيحةٌ هكذا؟) فأجابته سكرتيرته وهي تخفي اشمئزازها: (رفقاً بكم سيدي الوزير)
(942)
ما يفعله ساستهم في عصر الانحطاط، شيءٌ مخزٍ لا يمكنُ أنْ يُصدّقَ أو يُقال أبداً وبأيّ حالٍ من الأحوال.. ما جعلهم يجوبون العالمَ بسفنهم الخشبيةِ يجمعون أبشعَ القصصِ وينسبونها إليهم.
(943)
ـ هبْ أنّنا وضعنا قرداً على كرسي الرئاسة.. ماذا سيحدث؟
ـ لا شيء البتة.. فهو لا ينفعُ ولا يضر.
ـ ممتاز.. إذا ما رأيك؟
(944)
طيلة عصر الانحطاط كان الأستاذ لا يكتبُ إلاّ عنه، وحين يكتبُ عنه يتعمّدُ ارتكابَ الأخطاء من وقتٍ لآخر، كأنْ يكتبَ النون، أو الباء، أو الثاء، أو الياء، أو التاء، بلا نقط. مثل الجىة، الىحر، القىامة، اخىلس، والىورة.. فيعودُ هو ليصححها من وقتٍ لآخر بحسبِ اتفاقٍ بينهما فلا يذهبُ بعيداً.
(945)
يتحسّرُ كثيراً.. وحين تنتهي المواقف كلّها لديه بالقتل، يعودُ ويحمد الله.. فحين يتذكّرُ من سرقوه ولمْ يضربهم يتحسّرُ كثيراً.. ثمّ يعودُ ويقولُ في نفسه: (من يدري! لو كنتُ ضربتهم فقد يموتون) فيحمد الله.. وحين يتذكّرُ من جوّعوه ولمْ يضربهم يتحسّرُ كثيراً.. ثمّ يعودُ ويقولُ في نفسه: (من يدري! لو كنتُ ضربتهم فقد يموتون) فيحمد الله.. وحين يتذكّرُ من شرّدوه ولمْ يضربهم يتحسّرُ كثيراً.. ثمّ يعودُ ويقولُ في نفسه: (من يدري! لو كنتُ ضربتهم فقد يموتون) فيحمد الله.. وحين يتذكّرُ من فتّتوا وطنه ولمْ يضربهم يتحسّرُ كثيراً.. ثمّ يعودُ ويقولُ في نفسه: (من يدري! لو كنتُ ضربتهم فقد يموتون) فيحمد الله.. وأنا أكتبُ قصته الآن، متأكد تماماً، أنّ كلّ الوحدويين الذين سيقرؤونها بعدَ الثورةِ سيقولون في أنفسهم: (من يدري! لو ضربنا الانفصاليين المنحطين فقد يموتون، والقضاةُ منهم.. دعوهم للثورة تحصدهم) ويحمدون الله.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-22-2015, 10:04 AM   #5707
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(946)
وحين سأله رفاقه عنها، أجابهم دونَ مبالاة، بأنّها كانتْ عذراء، وحين قطعَ رأسها لمْ يتعبه كثيراً.
(947)
وحين لعنتْ إبليس، وطردتْ هذه الفكرةَ من ذهنها، وفكّرتْ قليلاً، واكتشفتْ أنّها المخلوقُ الوحيدُ الذي تأثرَ كثيراً من وجودِ الوزراء ولكنها لمْ ترهم، حمدتْ القملةُ اللهَ كثيراً.
(948)
وفي خلالِ ساعتين ونصف فقط، أمضوها بمعسكر اللاجئين خلفَ الحدود، تحضّروا جداً، وكادوا يلحقون بركبِ الألفيةِ الثالثة.. فقد تعلّموا خلالَ هذه الفترةِ الوجيزةِ إشعالَ الولاعة، فتحَ الماسورة، إشعالَ الكهرباء، وكلمة لا.
(949)
رغم مرورِ ما يزيدُ على القرنِ منذُ أنْ تفتّتَ وطنهم، وهذا الجيلُ العاشر، إلاّ أنّهم ما زالوا يستخدمون نفسَ المصطلحاتِ التي كان يستخدمها أسلافهم القدماء يومَ كانوا يعيشون على اليابسة.. فستندهش جداً حين تجدهم يقولون لبعضهم: (سهرنا البارحةَ في حارة كذا) أو: (سنزور اليوم حلة ناس فلان) أو: (سنمضي المقيل اليوم في فريق ورا) ثمّ تكتشفُ أنّهم يقصدون خيامَ سفينتهم.
(950)
بعدَ الثورةِ بعقدين فقط، اكتشفَ العلماءُ اكتشافاً غريباً، واكتشافاً آخر أكثر غريبة. فالاكتشافُ الأول هو أنّ ربعَ المواطنين في عصر الانحطاط كانوا مغتربين، الربع الثاني لاجئين، الثالث متسوّلين، الرابع حكاماً، والأخير مجانين.. وهذا الأخير بالذات، لأنّ الحكومة تقومُ بتأجيرِ أجسادَ المواطنين مقابلَ عائداتٍ مجزيةٍ لبعضِ الجهاتِ التي تربطها بها علاقاتٌ وثيقةٌ وصلات قربى.. أمّا الاكتشافُ الثاني، فهو أنّنا ورغم إلمامنا بالعربيةِ إلى حدٍّ ما، إلاّ أنّنا نجهلُ الحسابَ بشكلٍ مخجل.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 07:43 AM   #5708
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(951)
ترافقتا معاً طوالَ النهار. وحين وصلتْ الشمسُ إلى بيتها، هي توسدتْ يدها ونامت.
(952)
وحين يقبلُ المقيلُ من بعيد، وتستظلُّ فوقهم سحابة، يتذكرون قتلاهم ويبدؤون البكاء والنحيب.. وبعدَ وجبةِ الرغيف، تكون فارقتهم الكآبة، فيعودون للتسوّل من جديد.
(953)
الوثيقة المدهشة
(كان من المفترضِ أنْ نحتفلَ بحقيبةِ الفن هذا العام في أوروبا.. ولكن نسبةً لسوءِ الأحوالِ الجوية، وشدّة الغبار، وارتفاع الموج، بدأنا السهرةَ في أستراليا، وفاجأنا القمرُ حين غابَ في أمريكا)
(954)
يومَ قابلَ أحدَ أهالي قريتهم في أوروبا، غمره أحساسٌ عميقٌ بالفرح.. ويومَ قابلَ آخر في آسيا، غمره أحساسٌ عميقٌ بالحزن.. ويومَ قابلَ ثالثاً في أفريقيا غمره أحساسٌ عميقٌ بالاستياء.. ويومَ قابلَ رابعاً في أستراليا غمره أحساسٌ عميقٌ بالرضى.. ويومَ قابلَ خامساً في القارةِ القطبيةِ غمره أحساسٌ عميقٌ بالبرد.
(955)
ـ حين رآه الانفصاليون فرحوا كثيراً.. فقد حسبوه سيصحو وقد نسي كلّ شيء.. ولكنه نام واستيقظ وهو كما هو لمْ يتغيّر فيه أيّ شيء.. أسمر، طويل القامة، عيناه سود، لاجئ، جائع، ومسافر.. لمْ يتغيّر فيه أيّ شيء.. حتى الأغنية التي كان يدندن بها على الساحلِ قبلَ النّومِ لمْ تتغيّر: (شن بتقولوا.. في الفرح البعذّب سيدو.. والريد البضيّع زولو.. شن بتقولوا) ثمّ واصلَ الكتابة. فأماتَ الغيظُ منهم ألفين، وبعثَ الفرحُ منا خمسة.
ـ وأنتِ ما أدركِ بكلّ هذا يا عصفورة؟
ـ أنا كنتُ معه هناك وعدتُ البارحة مع لوزين.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 07:45 AM   #5709
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(956)
وبهذا تمّ تحويله من سارقٍ إلى حارسٍ لبيتهم.. فالحارةُ كلّها لصوص. ولكن هو الوحيدُ الذي تمّ ضبطه متلبساً.
(957)
المشنقةُ التي شُنقَ عليها ألف وزيرٍ في يومٍ واحد، باتتْ في حالةٍ يرثى لها.. الحبالُ تقطّعتْ، والأخشابُ ما عادتْ تصلحُ إلاّ كحطبٍ لحرقِ الجثث.
(958)
يومَ شتمونا هناك، ووصفونا بأنّنا فقراء متسولون، تسلّلنا إلي وطننا ليلاً، حمّلنا سفينةً خشبيةً كاملةً بالذهب، والأنعام، والمحصول، أفرغناها على سواحلهم، ومضينا.. فهلْ وصلتْ الرسالةُ إلى الذين نعنيهم، وفهموا الدّرس، أم نعودُ إلى قصورهم العصر؟
(959)
يعيشُ بينهم لاجئاً، وهو يحترمُ غربته ويعيشُ مسكيناً، مهاناً، ذليلاً، وهم يعاملونه بما يستحق اللاجئ.. يستضعفونه، يهينونه، ويذلونه، دونَ أنْ يعلموا أنّ هذا اللاجئ الذي يحترمُ غربته، ويعيشُ مسكيناً، مهاناً، ذليلاً، وهم يعاملونه بما يستحقُ اللاجئ.. يستضعفونه، يهينونه، ويذلونه، كتبَ لوطنه أجمل ما كُتبَ لوطن، ولو علمِ وطنه الذي يبحثُ عنه أين هو، لجاءَ واحتضنه.
(960)
ـ دائماً على الجدار! ماذا يفعل على الجدار؟ هل هو يعمل وله مرتب؟ وزوجة، وعيال، ومدارس، ومصاريف؟ يسكن مجاناً طبعاً.
ـ يجلس هنا كل يوم. هل هو يبيض، ويفقس؟ لا أعتقد.. ليس له ذيل.
ـ هل لهم حكومة، وزكاة، وضرائب مثلنا، ويفصلونهم للصلح العام؟ هلْ يثورون ويسجنونهم؟
ـ من هؤلاء الذين يزورونه كل يوم ويناولهم تلك الأوراق الصغيرة الملونة؟ لم لا يرفض؟ هل سيرمونه بالحجارة؟
***
في النهايةِ حين مالتْ الشمسُ قليلاً، وانتهى وقتُ المقيل، افترقَ رجلان وضبان.. الرجلان أحدهما هو الذي يراه الضب، والآخر لا يراه، والضبان أحدهما هو الذي يراه الرجل، والآخر لا يراه.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 07:49 AM   #5710
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(961)
وبذلك باتَ العالمُ أشبه ما يكونُ بحظائر المواشي.. المسلمون لوحدهم، المسيحيون لوحدهم، اليهود لوحدهم، البوذيين لوحدهم.. وهكذا.
(962)
أحرجونا أشدّ الإحراجِ حين سألوهم في المؤتمر الصحفي هنا، وخانهم التعبير فأجابوا: (لا ندري كمْ نصيبَ المراجعِ العامِ في العصيدة) بينما الكلمة التي اتفقنا عليا سلفاً هي الكسرة.
(963)
تقنيةٌ سحريةٌ غير عادية، ولا يعرفها الكثيرُ من الناس.. أتحسبُ نفسك تحلم الآن؟ لا، لا.. بل تمكنتُ أنا من الوصولِ إليك وأنتَ مستيقظٌ وفي كامل وعيك، لأحاورك في بعضِ الأفكارِ الجديدةِ التي أراها هامةً لكلينا لنعيش في سلام.
(964)
ثمّ تخيّلَ أنّه زارهم في البيت، قابلَ أباها، طلبَ يدها، الأب وافق، تمّتْ الخطوبة، ثمّ الزفاف، وكان شهر العسل في السويد حيثُ كان اللّحم وفيراً والشاي بالسكر كثيراً.. وحين انتهى شهر العسل، وأخبرها أنهما سيعودان إلى أرضِ الوطنِ رفضتْ، وبقدرِ ما حاولها أبتْ.. فأُسقط في يده، وضعَ يده على خده، وبدأ يبحلقُ بالمارةِ وكأنّه يترجاهم أنْ يفتوه في أمره.
(965)
رغم السفر المتواصل، التسوّل الذي لا ينقطع، البعد عن الوطن، وأنّهم كانوا يسمّوننا الحشرات هناك، وكلّ هذه الأشياء الموجعة، إلاّ أننا مازلنا نسمّى نساءنا هنا النصف الناعم.. فالإنسانُ هو الإنسانُ في كلّ الأحوال.. سافر، تسوّل، أو أبتعد عن وطنه.. كلّ ما هناك أنّ بعضَ الناسِ يحسبون أنفسهم إضافةً لها، مع أنّهم خصماً عليها.. مسكينة الإنسانية! فلو أنّها سمعتْ كلامنا، تركتْ لهم الوطن، ولجأتْ معنا، لجُدنا عليها بخبزة، دمعة، أو من يدري! ربما ببسمة.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 07:52 AM   #5711
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(966)
من أخبرهم أنّ له فكرةٌ لمْ يستطعْ أنْ يقنعَ بها أحداً، سألوه ساخرين: (هلْ فكرتك ضارةٌ، أم أنتَ غير المفيد؟)
(967)
أيقظتها أمها قبلَ شروقِ الشمسِ لتردَ البئر، وهي الآن في منتصفِ الطريق، بينما القملُ على رأسها لازال نائماً، وليستْ لديه أيّة فكرةٍ عن هذا الموضوع.
(968)
آخر القادمين قالَ في لقاءٍ تلفزيوني: (حالهم هناك اليوم كتبلدية مجوّفة، من أسفلَ مثقوبة، وظلّ أحدهم يعبئ، يعبئ، يعبئ طوالَ الخريف، وفي منتصفِ الصيف فوجئ بأنّها فارغة، وأقرب مكانٍ فيه ماء، يبعدُ ثلاثة أيام)
(969)
له أصدقاء أعزاء كثر منهم أدروب وزوجته مهيرة، عثمان وزوجته تاجة، إسحق وزوجته انجلينا، ودينق وزوجته تاجوج، تعرّفَ عليهم بثقافةِ الزمنِ الجميل، ويتمنّى أنْ يقابلهم اليومَ ليتعرّفَ عليهم بثقافةِ هذا الزمنِ الرديء، ويسألهم عن قبائلهم، أديانهم، هلْ هم في الحزب الحاكم أم لا، وأشياء أخرى كثيرة، لو ذكرها هنا ستتلفُ هذه الموضوع وتحوله إلى قصة.
(970)
قالَ لنا الأستاذ البارحةَ ونحن في سمر: (أيّ عملٍ تؤديه وتحسبه أفضل منك لن تتقنه، وأيّ عبادةٍ تؤديها وتحسبها أكرم عند الله منك لن تُقبل ولن تغادر مكانها.. فاللغةُ مثلاً لا يمكنُ وبأيّة حالٍ من الأحوالِ أنْ تكونَ أفضل منا ونحن من اخترعها، والدينُ برمته بما فيه الصلاةُ، والصيامُ، والكعبة، والقرآن، لا يمكنُ أبداً أنْ يكون أكرم عند الله منا، وهو أصلاً من أجلنا نحن ونعمةٌ من نعمٍ الله علينا)
وحين عدنا إلى أكواخنا للنومِ بعدَ السمر، لمْ نتمكنْ من الدخول.. فالكلامُ المفعولٌ به قاتلٌ والفاعلُ مقتول، المبتدأ منصوبٌ والحالُ مرفوع، والصلاة، والصيام، والتلاوة، بلغتْ حتى السقف، وأرجلها خرجتْ من الشبابيك.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 07:54 AM   #5712
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(971)
المنحطُ لا يغضبُ أبداً، ولا يفرحُ لغير القروش.. فيومَ باعوا وطنهم فرحوا كثيراً، ولمْ يغضبوا حتى قليلاً.
(972)
بدأتْ كعقدة، ثمّ تحوّلتْ إلى عادة، وانتهتْ كثقافة.. فهم اليومَ لا يسمحون لأيّ شيءٍ مهما صغر بالدّخولِ تحتَ أسرّتهم حتى ولو كان صرصاراً أو فأرة.
(973)
جملةٌ نسمعها ألف مرةٍ كلّ يوم.. مع أنّ مرةً واحدةً فقط في العمر، تكفي للبصقِ على الرئيس، الحكومة، البرلمان، والتبوّلِ على الدستور، السلامِ الجمهوري، وشعار الدولة: (رئيسنا مطلوب القبض عليه، وممنوع من السفر)
(974)
(من وجدتهم هنا في هذه القريةِ النائيةِ في أدغالِ أفريقيا، يبدو أنّهم لا يرقدون إلاّ للمقيلِ والنوم، ولا يجلسون إلاّ حين تمطر.. أمّا ما تبقى من يومهم فهم يمضونه في الصيدِ والبحثِ عن الطعام)
يومَ عادتْ الوحدةُ وعوُدنا إلى قريةِ أجدادنا، ووجدنا هذه الوثيقةَ المكتوبةَ بالإنجليزية، وبجانبها كومةٌ من العظام، عرفنا سرَّ تلك الأسطورةِ التي كان يحدثنا عنها الأجداد، وتأكد لنا أنّها لمْ تنشأ من فراغ.
(975)
ـ (يا سلاام.. أغنيةٌ نحبها جداً، وأينما ذهبنا نغنيها.. عليها رقصتْ كلّ سواحل العالم، محيطاته، مدنه، قراه، جباله، وسهوله)
هكذا قلتُ لهم ونحن على ضفاف النيل في سمر، وتعمّدتُ عدم ذكر اسمها، وكلّهم موجودون ولمْ يسألوني.. فتأكدَ لي أنّ الغلَّ منزوعٌ من قلوبِ الناسِ هنا، ولولا ذاك، لكانتْ جنةُ السودان هناك بنيلها وحورها يعني استغفر الله: (أج م ل)
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2015, 02:16 PM   #5713
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(976)
حين رآه الفأرُ يدنو منه وهرب، هو حسبه هرب خوفاً منه كما يفعلُ كلّ المواطنين.. مع أنّ الفأرَ هربَ حفاظاً على سلامته هو.
(977)
مثقفٌ منحط، لا قيمةَ له، لا يساوي حذاءه، تحسبُ أنّ جميعَ من اشتروه مغفلين.. ثمّ تعودُ وتعذرهم حين تعلم أنَّ المغفلين الحقيقيين، هم العامةُ الذين يثقون به، ويصدّقون كلّ ما يقول.
(978)
قبلَ أنْ يذبحوها، كانتْ تقول: (ماع، ماع) وبعدَ أنْ ذبحوها، وسلخوها، وشووها، وأكلوها، وشربوا الشاي، ومسحوا وجوههم بدهنها الدّسم، والعظام رموها، عبرتْ بقربهم ـ في نفس المكان الذي وجدوا فيه الأولى ـ ضفدعةٌ معلقاً فوق رقبتها مسجلاً.
(979)
ويوم غادرنا عاصمتنا الخرطوم، وتحوّلنا من وافدين محليين إلى لاجئين دوليين، اكتشفنا أنّنا كنا نسكنُ أسوأ مجارٍ في العالمِ أجمع.. فهي تمتلئُ وتفيضُ كثيراً، والسياراتُ والمارةُ يسقطون علينا من وقتٍ لآخر، ونتزاحمُ داخلها مع الفئران والبعوضِ كتفاً بكتف، وهم لياقتهم مكتملةٌ وأكتافهم عريضة.
(980)
الأسبابُ التي قصّرتْ متوسط أعمار السودانيين بهذه الشكل المخيف، وإنْ كان آخرها الجوعُ والخيول، إلاّ أنّها كثيرةٌ ومتشعبةٌ ومتعدّدة ومتوارثة.. وهو لا يعتقدُ أنّ هناك من هو كبيرٌ في العمرِ لدرجةِ أنّه شهدَ الانفصال.. فالانفصالُ في رأيه حدثَ منذُ عامِ ثلاثةٍ وثمانين، لأسبابٍ ظلتْ قائمةً منذُ عام ستةٍ وخمسين، وكلّ حكامهم المنحطين منذُ الاستقلال كانوا يؤجلون حلّها.. فالانفصالُ في رأيه لمْ يحدثْ هذا العام. ولكن لمْ يجدْ من لا يستحي على نفسه، ولا يخشى لعنةَ الأجيالِ القادمةِ إلى يومِ الدين ليعلنه.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-27-2015, 05:37 PM   #5714
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(981)
الدينُ لمْ يعدْ بخير، والرّبُّ كادَ يعلنُ إفلاسه.. فأعدموا ألفاً ممّن عجزوا عن تسديدِ زكاةِ هذا العام.
(982)
أينما ذهبوا، لا يقيمون معسكراتهم إلاّ قرب مصنعٍ متوقّف، مزرعةٍ مهجورة، قريةٍ متهدّمة، أو مراعٍ خالية.. فهم يحبون هذه الأشياء، لأنّها تمثلُ رمزاً لثقافةِ عصرهم هناك.
(983)
ـ (اهربي.. ولكن سأمسكُ بكِ في النهاية كما يمسكُ بنا الدفاع الشعبي.. هو رأسي أم رأسك؟)
وفعلاً لاحقتها حتى أمسكتْ بها في النهاية كما يمسكُ بهم الدفاع الشعبي.. ولكنها كانتْ أرحم بها منهم بأهل البوادي والأرياف.. فحين وجدتها قملةً صغيرةً أطلقتها.
(984)
(الخروف عنوان العام الجديد في التقويم الصيني)
خبر سارٌ وعاجلٌ يومَ قرأناها، لو ذهبتَ إلى الصين، وحسبتَ الصينيين واحداً واحداً، ورأيتَ القواربَ الصغيرةَ القادمةَ من كلّ أنحاءِ العالمِ التي ترسو على سواحلهم، لوجدتها أكثر منهم بسبعة.
(985)
ـ أرى شيئاً أكبر من شجرةِ الحرازِ الجافةِ يزحفُ ببطءٍ نحونا، تلالاً كثيرةً من الرّملِ الأزرق، طيوراً كثيرةً تحلّق، وكأنّ الوقتَ صيف.. فلا أعشاب خضراء، لا مزارع، ولا أنعام ترعى.. لا شيء غير دخانٍ يشبهُ السراب.
هكذا وصفَ الصغيرُ ابن السابعةِ المشهدَ الذي يراه أمامه لجدته، وقد وصلا إلى الساحلِ لأول مرةٍ في انتظارِ سفينة.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-27-2015, 05:43 PM   #5715
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(986)
لدهشته، توقّفَ الجملُ فجأة، ترجّلَ من يمتطيه، ومضى الجنيهُ وحده.
(987)
من سلّمَ عليه بالأحضانِ وهو يصعدُ سفينتهم قبلَ قليل، يعرفُ وجهه جيداً.. ولكن لمْ يعدْ يذكرُ في أيّ المحيطات، أو القارات، أو في أيّ مكانٍ آخر قابله.
(988)
ـ القضيةُ قضيةُ ثقافةٍ في المقامِ الأول.. فحين تفتّتَ الوطنُ ولجأنا إلى أوروبا، كنا نمضي يومنا لنجعلَ الشوارع تبدو أكثر اتساخاً، وحين لا نجدُ من يسرقنا ننتخبُ أحدنا لصاً.. فالقضيةُ قضيةُ ثقافةٍ في المقامِ الأول يا ولدي.
(989)
يومَ سمعنا أنّ حكومتنا ستتبرعُ العام بعدَ القادمِ ومن حرِّ مالها الذي ورثته عن أبيها، بدلوٍ للغرب، صندوق طباشير للشرق، حقنةٍ فارغةٍ للجنوب، وإشارةِ مرورٍ للشمال، فرحنا جداً.. وبعدَ أنْ غنينا ورقصنا رقصةَ الرئيس، حفرنا البئر، بنينا المدرسة، أنشأنا المستشفى، سفلتنا الطريق، وانتظرناها لعامين وهذا العام الثالث.
(990)
(يومَ خرجنا مبكرين، وعندَ المقيلِ لمْ نجدْ غير بطيخةٍ صغيرةٍ أكلناها، وفي المساءِ وصلنا إلى البئر، وبعدَ أنْ شربنا الماءَ نمنا هناك، في تلك الليلةِ لو ذهبتَ إلى عاصمتنا الخرطوم، لوجدتَ كلّ واحدٍ من وزرائنا الألفين في مزرعته المطلةِ على النيل، وعلى يمينه مستثمرٌ أجنبي، وعلى يساره خليله أو غلامه)
يوم عثروا على هذه الوثيقة بعد عودةِ الوحدةِ بفرنين، أخلتْ الحكومةُ كلّ شواطئ النيل وفروعه على امتداد الوطن ولميلين كاملين، قلبتْ التربة عميقاً، عقّمتها جيداً، وحوّلتها إلى حدائق عامة.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-27-2015, 05:58 PM   #5716
القوني
عضو مُـميز جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 5,881
(991)
(لمْ يسبقْ لأمةٍ من الأممِ التي بادت، أنْ وثّقتْ لنفسها كما فعلَ السودانيون في عصر انحطاطهم قبلَ أنْ يمضوا بلا عودة.. فمن يقرأ: (عشرون ألف قصة لك يا وطن) مثلاً، يرى أمةً كاملةً أمامه وبأدقِّ تفاصيلِ الحياةِ اليومية.. ساستهم الحقيرون، مثقفوهم التافهون، رجال دينهم المنحطون، الرشاوى، الاختلاسات، العمولات، الفتن، الحروب، احتقار الآخر، أديانٌ متنازعة، قبائل متقاتلة، ذهب وبترول منهوب، أنعامٌ ومحصولٌ مسروق، مغتربون، لاجئون، متسولون، ومجانين.. إنّها وثيقةٌ ترى وتسمعُ فيها كلّ شيءٍ وكأنّه يجري أمامك الآن.. حتى أنينَ الجياع، صرخات النساء المغتصبات، وهمهمات بيوت الأشباح)
الصغيرُ الذي يقرأ المخطوطةُ كشّر وجهه، استدعى دمعتين، واحدةً للعينِ اليمين والأخرى للشمال، وكان على وشكِ أنْ ينفجرَ في البكاء، لولا أنّه وجدَ في نهايةِ الموضوع: (ثمّ حدثتْ معجزةٌ من السماء، واندلعتْ الثورةُ التي حجبتْ ضوءَ الشمسِ لعامين كاملين، وبعدها عادَ كلّ شيءٍ أفضل مما كان عليه ألف مرة) فبسطَ وجهه، استدعى بسمتين، وأحدةً للعين اليمين، والأخرى للشمال، ثمّ انفجرَ في الضحك.. فقالَ له جده: (أصلك لا تسمع الكلام. انظرْ إلى هذه البهدلةِ التي أنتَ فيها! ألمْ أقلْ لك كنْ حذراً جداً حين تقرأ للأستاذ؟)
العجوزُ الذي تخلى عن أسنانه كلّها طوعاً، ولمْ يُبقِ منها إلاّ على اثنتين، العليا لغرضٍ يعلمه هو، والسفلى لكتمِ الأسرار، استمع إلى حديثهما، ابتسم، اتجه نحو جهةٍ مجهولة، وبدأ بخطوة. خطوتين.. ثلاث... أربع.... حتى اختفى تماماً وهو يدندنُ، وينسجُ خيوطَ قصةٍ لولا أنّه يخشى ألاّ يجدَ الناسُ بعدها ما يكتبونه لأوطانهم، لكتبها هنا.
التوقيع
للتاسع من يوليو القادم تبقتْ ألفا قصة فقط لك يا وطن
القوني غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:01 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
Protected by CBACK.de CrackerTracker