Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
قديم 10-01-2010, 09:08 AM   #1
ودخالد
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 10
حكاية احد المغتربين

كان عثمان في عجالة من امره.. يمشي تارة ويهرول تارة اخرى..قاصدا سيارته الجاثمة في الجانب الاخر من الشارع المذدحم.. حينما رن جواله معلنا بقدوم مكالمة جديده .. انها اخته سلمى.. فرد عليها والقلق يكاد يعصف به ..الو سلمى؟؟ انتو كويسين ؟؟ امي كيف؟؟ فردت عليه مباشرة دون مقدمات.. يا عثمان امي شالوها المستشفي تاني.. ناس خالو احمد جابونا هسه .. الدكتور كشف.. فصاح عثمان مقاطعا..الدكتور قال شنو؟؟ ولكنه اختنق بالعبرات عندما سمع نحيب اخته.. وتابع بصوت مخنوق.. و حالتها كيف هسه؟؟.. وقبل ان ترد عليه سلمى.. فاجاءه صوت صافرة قويه.. صكت اذنيه .. تلاها صرير اطارات.. وهي تحتك بالاسفلت بشدة ..غطت على اثرها سحب من الدخان المكان.. فانتفض عثمان مذعورا .. فطار الجوال من يده بعيدا.. وسقط جواز سفره .. وتبعثرت اوراقه التى كان يحتضنها وتعثر وكاد ان يرتطم بالارض.. فاستعاد توازنه بصعوبة .. بعد عدة عثرات .. فأسرع خارجا من الشارع .. وهو يرتعد من هول المفاجاءة .. فتنفس الصعداء..عندما وجد نفسه.. واقفا على الرصيف.
لقد نجا باعجوبة من حادث محقق... لو لا انتباه السائق لكان في عداد الموتى.. صاح السائق باعلى صوته وهو يشير اليه بيده... انت عميان ؟ انت مجنون ؟ ماتشوف؟.. فرفع عثمان يده معتزرا وهو يتمتم.. معليش سامحنا ياشيخ .. نظر اليه السائق بغيظ وحنق .. ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة.. فوثبت سيارته الي الامام محدثة صريرا عاليا.. ثم انطلقت كالصاروخ لاتلوي على شىء.
ظل عثمان واقفا على الرصيف وهو في حيرة وذهول.. كأنه افاق لتوه من كابوس مرعب.. ثم نظر الي جواله وقد تناثرت اجزاءه وتساوت مع الاسفلت تحت وطأة الاطارات الثقيله التى لاترحم... و التفت الي اوراقه المبعثرة .. وصاح باعلى صوته الجواز.. جواز السفر.. تأشيرة الخروج.. واسرع حتى وقف محازيا للجواز.. الذي ما يكاد يخرج من تحت اطار.. حتى يدخل تحت اخرى.. لطفك يالله .. لاشك ان الجواز قد تلف وضاعت بياناتها .. وضاع معها تعب اسبوعين من الجري والبهدله وراء الكفيل... ماذا اعمل الان .. كيف اتصرف.. لابد من الرجوع الي الكفيل..وماادراك ما الكفيل.
قصته مع الكفيل مبكيه بل مضحكه.. وشر الامور ما يضحك!! انه يشعر بالغثيان كلما تذكر هذا الظالم الذى يسمى بالكفيل.
تذكر يوم ذهب اليه لعمل التأشيرة قبل اسبوعين.. كانت هي المرة الاولى التى يقابل فيها الكفيل وجها لوجه.. لقد كانت كل المعاملات التي يحتاج اليها تتم عن طريق موظف عينه الكفيل خصيصا لجمع الاتاوات من المكفولين. كم كان يكره ذلك الموظف.. لقد كان فظا غليظا ينفر منه كل من يقابله . ربما كان الكفيل يختلف عنه..او ربما يكون انسانا متفهما على اقل تقدير.. كان هذا انطباعه قبل المقابله.. وحينما دخل مكتبه الوثير.. تقدم اليه مسرعا.. والبسمة تعلو شفتيه.. مادا له يده اليمنى ليصافحه بقوة وحراره .. كعادة السودانيين الشرفاء.
ولكن الكفيل الذي كان يتكئ على مسند له .. ويعبث بمسبحته.. يديرها حول اصبعه يمنة ويسره .. لم يعره اهتماما.. بل مد له اطرافا من اصابعه البارده.. فما كاد عثمان يشد عليها حتى سحبها منه بسرعه.. شعر عثمان بأهانة بالغه.. لم يشعر بمثلها طوال حياته .. لكنه ابتلعها ابتلاعا.. اين هم من اهلنا الطيبين؟.. الذين يكرمون الصغير ويوقرون الكبير.. ويستقبلون ضيوفهم هاشين باشين.. قائمين بواجب الكرم والضيافة على اكمل وجه وابهى صورة.. حتى يخيل الي الضيف بانه هو صاحب الدار.. وقد انشد فيهم الشاعر حين انشد قائلا.. "يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل".. فمااصدقكم .. وماأروعكم ياأهل السودان اهل الكرم والجود. ولكن زي ما يقول المثل "ما بتدي حريف".
كتم عثمان مشاعره الغاضبة في صدره .. وهو يلزم نفسه بالتحلي بالصبر والحكمة.. لقد حضر الي هنا مضطرا لعمل تأشيرة سفر.. لرؤية امه المريضه.. بعد ان تلقى مكالمة مقتطبه من خاله بضرورة مجيئه .. اه كيف حالك الان ياامي.
لم تكن امه تستسلم او تركن لمرض ابدا.. ولم تكن تهتم به كثيرا .. او هكذا كان يخيل اليه .. انها لم تشتكى من مرض قط.. كانت فقط تعصب راسها اذا شعرت بصداع شديد.. وتربط بطنها اذا احست بمغص او الم , وكانت دائما تقوم بكل متطلباتهم من ماكل ومشرب ونظافة وغسيل وغيرها على اكمل وجه.. لم تقل يوما انها متعبة او مريضه.. ولم تتوانى عن رعايتهم ساعة واحدة .. ولم تبخل عنهم بحنانها الفياض.. كانوا يحتمون بها كلما حلت عليهم ضائقة او مشكلة .. فتغمرهم بالامان والحب والوئام.. فكانت نعم الصدر الحنون في زمن الشدة وزمن الرخاء... آه يا امي ما أروعك .. و ما أغلاك... لن نستطيع ان نسدي اليك جميلا واحدا.. حتى لو فرشنا لك ملء الارض ذهبا.
تنهد عثمان في هم وحزن وهو يصوب بصره للكفيل.. ثم بدأ يسرد سبب مجيئه اليه .. وهو مرض امه المفاجئ .. وكيف انها كانت في صحة وعافيه.. وانها كانت في طريقها الي شراء الخضار من الدكان المجاور.. عندما ترنحت وسقطت على عتبة الباب .. فاسرعت اخته تنادي الجيران.. فاخذوها الي المستشفى .. وابلغهم الطبيب بعد الكشف عليها بوجود انسداد في احد شرايين القلب .. ووصف لها ادوية عديده .. منبها لها بضرورة الراحه وعدم اجهاد نفسها.. ولكن حالتها بدات تسوء من ذلك اليوم .. مما دعى خاله للاتصال عليه وطلب مجيئه فورا .. فهو اكبر الابناء وولي امرهم .. بعد ان توفى الوالد ورحل عنهم وهم في امس الحاجة له .. فكان ان شمر عن ساعده وحمل الراية بعده .. وهو مازال طفلا يافعا.
تململ الكفيل.. وعدل من جلسته.. ثم اطلق تثائبا مدويا .. فاتحا فمه حتى ظهرت اسنانه الخلفيه.. ثم قال وهو يظهر تبرمه وضيقه.. ايش الهرجه؟؟ ادخل في الموضوع..؟ انت ايش تبي بالضبط ؟! فرد عليه عثمان .. ابغى تأشيرة سفر وعوده مستعجله ياشيخ !
وقاطعه الكفيل رافعا صوته كأنه وجد ضالته المفقوده .. قول من أول .. انا أبغي أسافر.. بدل هادا الهرج الكتير.. روح أدفع الرسوم وهات لي الف ريال بالتمام!! فصاح عثمان .. حرام عليك..دي تأشيرة بس ياشيخ .. وانا قبل اقل من شهرين دافع ليك ثلاثة آلاف ريال .. عشان تجديد الاقامه.. وهسه تاني داير!؟ ده ظلم ياناس!!
فرد عليه الكفيل بحزم وغلظه قائلا... لو ما جبت الدراهم القلتها لك لا تعود عليا.. وانا ما احب الهرج الزائد.
غلي الدم في عروق عثمان وكاد ان يفقد صوابه .. لولا ابن عمه عمر..الذى كان يرافقه في ذلك اليوم .. فاخده جانبا وهدأ من غضبه وطالبه بالصبر وطولة البال.. فرد عليه عثمان طيب هم خلو فينا بال..عشان يطول ولا يقصر.. دي ما حاله دي.. دي مزله ومهانه اكتر من اللازم ... فربت عمر على كتفه مهدئا.. يا خوي المثل بيقول "هين مالك ولا تهين نفسك" فصاح عثمان ساخرا ياخي نحن اصلو من زمان هنا ( بكسر الهاء وتشديد النون) نفسنا.. لمن رضينا نجي هنا.. ونشتغل عندهم اربعه وعشرين ساعه زي الحمير.. بس خليها على الله .. ولكن من اجل امي سوف ادفع .. وكل شئ يهون من اجلها.. يارب اشفيها وارفع عنها يالله.. قالها من اعماقه وهو يدخل يده في جيبه لاخراج محفظته.. فكل ما كان في جيبه هو خمسمائة ريال.. دخل الي الكفيل قائلا خذ هذا والباقي بكره ان شاء الله.. تناولها الكفيل مهمهما تعال بكره خذ اوراقك.. ولا تنسى تجيب الباقي.
ومن يومه ظل عثمان يأتي يوميا ولمدة اسبوعين كاملين.. يمارس فيه الصراخ والصياح والتوسل بدون ادنى فائدة .. واخيرا وفي نهاية دوام اليوم .. تمكن من استلام اوراقه .. وهو لايكاد يصدق.. ولكن سوء الطالع مازال يلازمه ويطارده بعزيمة واصرار .. للتنكيل به .. وعدم تركه لحاله.
افاق عثمان على صوت يناديه..عثمان؟ عثمان؟ مالك واقف هنا؟! ان شاء الله خير؟ وين سيارتك؟ وكيف عملت في السفر؟ ..... انه صديقه حسن.
شعر عثمان بارتياح شديد لحضور صديقه في ذلك الوقت العصيب ..فسلم عليه وهو يقول.. الله جابك ليا .. جيت في وقتو.. انا كنت محتاج بشدة لواحد يقيف معاى.. انا ملخبط.. ما عارف اسو شنو... وشرح له ما حصل بالتفصيل... وهمهم حسن مهونا ومواسيا.. ثم قال ما مشكله يلا نتحرك بسرعه.. واستغل انقطاع السيارات وهرول الي عرض الشارع والتقط الجواز.. وصاح..يلا ياعثمان..خلينا نقطع بسرعه.. فقطعا الشارع حتى وصلا الي السياره ... كان الجواز تالفا وممزقا وغير صالح للاستخدام .. فادخله حسن في جيبه .. مفضلا عدم النقاش حوله الان .. ثم التفت الي صاحبه وهو يقول له .. اديني المفتاح.. انت ما حتسوق..انا شايفك منهك.. وما مركز.. فرد عثمان طيب نحن حنسوى شنو هسه؟ فقال حسن وهو ياخذ المفتاح من صاحبه.. خلينا نمشي البيت وناكل لينا لقمة.. ونرتاح شويه..عشان نتحرك العصر..لانو هسه مافي فايدة .. الساعه اتين ونص.. كل المكاتب مقفله . رضخ عثمان مكرها.. ثم طلب منه ان يعطيه جواله حتى يطمئن على امه.. فناوله حسن الجوال مستحسنا للفكرة .. وبدأ عثمان الاتصال.. وها هو يسمع رنين الجرس..ولكن لا أحد يجيب .. وعاود الاتصال مرة اخرى...ومرت الثواني كالساعات ثقيلة وكئيبة.. شعر فيها عثمان وكأن الزمن قد توقف بكامله .. واحس بالوهن .. وبدأ العرق يتصبب من جميع انحاء جسمه.. ويده تكاد لا تقوى على حمل الجوال . كان حسن يراقبه بحزن وشفقة .. وعندما شعر بان صاحبه بدأ ينهار.. حاول التخفيف عنه قليلا.. يازول .. يمكن الموبايل حقهم ده ناسنو في حته.. ولا يكونوا مشغولين.. ولا نايمين.. ده شئ طبيعي..انت ما تقلق نفسك بالصوره دي .. خليك مؤمن بالله .. وانشاء الله مافى الا كل خير .
ظل عثمان يعاود الاتصال بتوتر شديد..وفجاءة انتفض كالعصفور وهو يقول .. الخط فتح..الخط فتح .. انها اخته سلمى.. كانت تبكي وتنتحب..فرفع صوته قائلا الو... سلمى؟؟ الحاصل شنو؟؟ في شنو؟ فصاحت باعلى صوتها وهي تبكى...عثمان؟؟ انت غاطس وين؟؟؟ اتصلنا بيك كتير!! موبايلك مقفول !! فشعر عثمان بانه لم يعد قادرا على تحمل مزيدا من بكاء اخته.. وهو يردد.. في شنو ياسلمي؟؟ اتكلمي بسرعه؟ في شنو؟ امي كويسه؟؟!! .. فأتى الرد مجلجلا ... يا عثمان امي اتوفت... امي ماتت ياعثمان... لم يقوى عثمان على الاستمرار... فسقط الجوال من يده .. وانهار باكيا وهو يقول بصوت مخنوق...امي ماتت يا حسن!!... فاوقف حسن السياره جانبا .. وتعانقا ينتحبان...ثم انفجرا يبكيان باعلى ما يملكان من صوت وبكاء..اذهل جميع من كان في المكان.
محمد الزين
(منقول)
ودخالد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-01-2010, 10:37 AM   #2
ودخالد
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 10
تعليقاتكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ياشــــــــــــــــــــــــــــــــــباب.......... ....
ودخالد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:30 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
Protected by CBACK.de CrackerTracker