Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
قديم 03-23-2009, 12:49 AM   #1
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
حكايتي مع رجاء من الألف للياء ---- منى ابوزيد

(1)
نبوءة اللحم و العظم

يشعل الناس ثوراتهم لانتزاع الحقوق و رد المظالم، أما ثورتي فقد أضرمتها
كي أتنازل عن حقي و كي أقنع الآخرين بأن ما يرونه ظلماً أراه أنا عين
العدل


لم أتعمد شيئاً و لم أخطط لشئ، و الرجل الذي أوقدت لأجله ثورتي تعثَّرتُ
به ذات نهار خريفي غائم، قصدته كي أتتلمذ على يديه في مهنة الادعاءات و
الدفوع و التقاضي و الأحكام


تُرى هل كان عمِّي (محمود) يحتطب في ظلام الغيب عندما قال مخاطباً صديقه
(عادل) و هو يشير نحوي دون أن يلتفت إليَّ


أها يا عادل يا أخوي .. ليكم اللحم و لينا "العَضُم"


هل استشرف بحاسته السادسة ما كانت تخبئه الأيام التي أعقبت تلك الساعة من
مفاجآت لم تكن لتخطر لثلاثتنا على بال ؟


أم تراها كانت لحظة من تلك اللحظات التي يُشرع فيها ستار الغيب على (مشهد
ما) فيرى من يسعده الحظ أو يشقيه - بانقشاع الغيب عن بصيرته لبضع ثوان -
لقطة مستقبلية ما


هل انزاح ستار الغيب يومها أمام عينيه فرأى عمِّي (محمود) عشقي لصديقه
(عادل) و هو (يكمِّل) لحمي ثم لا يبقي فيَّ سوى العظم ؟
لست أدري .. كل ما أدريه و أذكره جيداً أن عمِّي - يومها – قد قال قولته
تلك ثم أطلق ضحكته العالية الطيِّبة التي اهتزت لها كرشه على نحو صاخب
جعل عدوى الضحك تنقل إليَّ، فضحكت ثم تحفّظت محاباة لرسمية الموقف


بينما اكتفى (عادل) بابتسامة كبيرة أطلقها في وجهينا قبل أن يخاطب عمِّي
قائلاً في رصانة


- اتفقنا
بدأت زيارتنا عمِّي (محمود) و أنا إلى مكتب الأستاذ (عادل) - في ذلك
الصباح الخريفي الغائم - بأحاديث المجاملات المعتادة، ثم أخذت طرائف مهنة
القانون التي ينتمي إليها ثلاثتنا قسطاً وافراً من "ونستنا" المشتركة،
قبل أن يشرع كلاهما في تبادل ذكريات ثنائية أخرجتني طوعاً عن دائرة
"الونسة" و حصرتني في خانة الإيماء و التبسُّم


بعد انعطافهما بـ "الونسة" نحو تفاصيل حقبة زمنية كنت في وقتها لم أولد
بعد، انشغلت بتأمل مكتب (عادل) الأنيق لأول مرة .. تأملته بفضول الأنثى
المتحفظ في حضرة رجل تلقاه لأول مرة . بقيت صامتة أتفرس في عناوين الكتب
و المراجع الضخمة التي كانت رفوفها تحتل قسماً بارزاً من مكتبه الأنيق ..
ثم عدت إلى التبسم عندما أراهما يبتسمان و التقطيب عندما أراهما يقطبان
بعد لحظات من الضحك العميق على ذكريات كانا يستعذبان اجترارها معاً قرر
عمِّي (محمود) أن الوقت قد حان للحديث في الشأن "موضوع الزيارة" و الذي
نعرفه ثلاثتنا و يعلم هو رأي (عادل) بشأنه سلفاً، و بالرغم من ذلك آثر
الولوج إليه من بوابة "المقدمات" المتلفعة بعباءة "الذوق"


عندما آن الأوان بحسب تقديراته رشف عمِّي آخر رشفة من فنجان قهوته، ألقى
نظرة سريعة على ساعته، أعتدل في جلسته على نحو مفاجئ، ثم سعل عدة مرات
قبل أن يقوم بسرد القصة إياها على مسامع (عادل


(... ألححت عليه .. تسببت له بحالة صداع مزمن .. طفرت الدموع من عيني ..
و تلاحقت أنفاسي و أنا أرجوه أن "يُكلِّم لي" الأستاذ حتى يمنحني شرف أن
أصبح جزءاً من إمبراطورية المحاماة العريقة التي يمتلكها و يديرها بكفاءة
جعلت منه المثل الأعلى لكثير من المبتدئين من أمثالي ... إلخ


أومأ(عادل) برأسه مجاملاً و متظاهراً بأنه قد اقتنع بمبالغات قصة عمِّي
المليئة بالثقوب والتي كان كبريائي يلح في تكذيبها و يرسل اعتراضه عليها
عبر نظراتي الفاترة و إيماءاتي الخاملة و ذلك التعبير الجامد المحايد
الذي غام به وجهي


حكاية (اللحم و العضم) التي أطلق بعدها عمِّي (محمود) ضحكته المجلجلة
كانت (صيغة الإيجاب) التي اختار أن يضمِّنها رغبته الرسمية في انضمام
ابنة أخيه إلى باقة المحامين الشباب المحظوظين بالعمل في مكتب (عادل)...
و على طريقة المحامين – أيضاً - اختار (عادل) أن يعلن قبوله بتكرار صيغته
الصريحة المباشرة :


اتفقنا


طبعاً يا عادل سلافة دي من يوم ما تخرجت لحد الليلة شغالة معاي .. و أنا
بعتمد عليها كتير .. هي مشروع محامية شاطرة .. و أنا بقول ليك الكلام دا
و أنا مسئول عنه .. يعني ما عشان هي بت أخوي
لا .. أنا ما عندي شك في الحكاية دي .. بعدين يا محمود يا خي كفاية إنها
تلميذتك .. برضو أنا بقول الكلام دا و أنا مسئول عنه .. يعني ما عشان إنت
صاحبي


- شهادتك فيني مجروحة .. لكن إنت ما محتاج لـ شهادة من زول .. عشان كدا و
بما إني مسافر و ح أكون مقيم خارج البلد كم سنة .. أنا بعتبرها
محظوظة ! .. أها .. عاوزينها تبدأ معاكم من متين ؟


من بكرة طوالي
على بركة الله


خرجنا من المكتب على وعد بأن أعود في اليوم التالي، و في صباحه الباكر
تحديداً لأتسلم عملي رسمياً في ذلك المكتب الأنيق و مع صديق عمِّي
المحامي ذائع الصيت في أوساط المحامين


رافقنا (عادل) إلى باب المكتب الرئيسي و هو يتمتم بعبارات المجاملة
المعتادة .. هممت بمصافحته و أنا أتمتم بدوري بعبارات الشكر عندما
قاطعتني ضحكات ودودة أطلقها عمِّي مستهلاً بها سلامه الحار على سيدة في
منتصف الأربعينات ذات جمال هادئ و عينين لامعتين انبثقت على حين غره من
فتحة باب المكتب المشرع


- أهلااا يا رجاء .. كيف حالك ؟ .. تعالي يا سلافة سلمي على الأستاذة
رجاء زوجة عادل


سلَّمتُ عليها بابتسامة رسمية .. فبادلتني التبسُّم و هي ترمقني بنظرة
فاحصة طويلة أثارت دهشتي .. لكن عمِّي (محمود) ما لبث أن قطع عليها
سياحتها في ملامح وجهي بأن استأذن مودعاً


عندما قابلت (رجاء) لأول مرة في مكتب (عادل) في ذلك الصباح الخريفي
الغائم، أدهشتني نظرتها الطويلة المتفرسة في تقاطيع وجهي .. ففكرت بأن
زوجة أستاذي الجديد و مديري الوسيم امرأة غيور .. تغار عليه من تاء
التأنيث على إطلاقها .. و ضحكت عليها بسذاجة الغافل عما يتخلَّق في رحم
الغيب، و بلامبالاة الذي يصادف شخصاً في الطريق و ينساه بعد دقائق ثم
يولي اهتمامه لتفاصيل حياته الأكثر أهمية و خصوصية


أترانى كنت سأضحك كما ضحكت يومها لو انقشعت عنِّي حجب الغيب فعلمت أنني و
تلك الزوجة الغيور التي صادفتها على باب المكتب في ذلك النهار الخريفي
الغائم سوف نتشارك قلب و جسد رجل واحد ؟


مني أبوزيد


يتبـــــع
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-23-2009, 12:51 AM   #2
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
(2)
تداعيات "مشهد درامي"

حكايات الحب الواقعية لا تنمو بمتوالية هادئة كالأزهار و لا تتواطأ مع مناخات الزمان و تضاريس المكان بل تتخلق على وجوه، و تتحور من طور إلى طور .. حكايات الحب الكبيرة كقصيدة الحرير التي تبدأ بتخلُّق "دودة قز" و تنتهي بوشاح باهظ الثمن

قليلاً ما يحظى الحب بشهادة ميلاد كتب عليها اسمه الحقيقي، و شهادة ميلاد حبي لـ (عادل) كُتب عليها "اعجاب"، لأني و بسذاجة الذين يعيشون على هامش واقع الحب و يجهلون وقائع العشق أسميت انجذابي نحوه و افتتاني الواضح بأناقته و رصانته "اعجاباً" .. و بقيت قابعة تحت خط الإعجاب بكل ما أوتيت من رصانة و موضوعية إلى أن غافلني قلبي و قفز إلى بهو الحب الرحب الفخيم من نافذة الإعجاب

أحببت (عادل) بهدوء و على مهل، و أخذ هذا الحب يملأ قلبي شيئاً فشيئاً .. يتسلل إليه ببطء واثق كانسياب حبات الرمل من ثقوب الساعات الرملية، فلم أنتبه لتمكُّنه منِّي و سيطرته علي، و لم أسأل نفسي هل كان (عادل) يشجعني بإظهار انجذابه نحوي أم لا ؟

كانت الأيام و الشهور تمضي و تزداد وطأة العمل التي يشعلها النجاح، و يتضح تميزي وسط فريق العمل الذي يحيط بـ (عادل) فتزداد نظرة الرضا و التقدير في عينيه عمقاً .. تلك النظرة التي كان هوسي بالمحافظة عليها يشغلني عن التفكير في أي أمر آخر .. حتى و إن كان هذا الأمر هو رقصة الـ (تشاتشا) التي كان قلبي يرقصها بجنون ما أن تلتقي عيناي بعينيه كل صباح

الحادثة التي انتزعتني من الدوران في حلقة العمل المفرغة و فتحت عيني على هذه الحقيقة كانت (درامية) بعض الشيء و تثبت أن أحداث المسلسلات مصدرها الواقع و ليس خيال المؤلفين

كنا قد عدنا إلى المكتب بعد (جلسة سماع) مرهقة في إحدى محاكم الخرطوم كانت جزءاً من قضية تخص سيدة أعمال فاحشة الثراء يتولى مكتب (عادل) كل شئونها القانونية

كانت تلك السيدة على خلاف دائم و متشعب مع زوجها و يبدو أنها في ذلك اليوم قد أكثرت من الحديث عن الطلاق و هددت زوجها بأنها سوف (ترفع عليه قضية) لن تأخذ (غلوة) في يد محاميها العبقري الأستاذ (عادل)، فاستشاط زوجها غضباً و اتهمها بخيانته مع رجل آخر يرجِّح أنه محاميها الوسيم
و في سلوك انتقامي يائس لزوج غيور يرقب زواجه و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة بفعل فاعل أكثر وسامة و شباباً اقتحم الرجل مكتبنا الذي كان خالٍ إلا من ثلاثتنا (عادل) و السكرتيرة و أنا، اندفع نحو مكتب السكرتيرة و أخذ يشتم و يتوعد

و عندما رجاه (عادل) بهدوء أن يغادر المكتب جن جنونه، تناول كوب ماء كان على منضدة قريبة، قام بكسره إلى نصفين على حافة المنضدة (على طريقة الأفلام)، ثم حاول مهاجمة (عادل) بنصف الكوب المكسور، و اشتبك الاثنان في عراك بالأيدي

حاول (عادل) باستماتة أن يبعد نصف الكوب المكسور - الذي تحول إلى سلاح قاتل – عن عنقه الذي كان مهاجمه يحاول الوصول إليه بشراسة، امتلأ المكان بصراخنا سكرتيرة المكتب و أنا، كانت هي تصرخ في هستيريا و تنتحب في يأس، بينما حاولت أنا – ببسالة أدهشتني قبل أن تدهشها - أن أبعد السلاح القاتل عن عنق (عادل)

بعد مشادة عنيفة أعقبتها دفعة في أثناء العراك فقد الرجل توازنه و انزلق على الأرضية المبتلة بالماء الذي انسكب من الكوب المكسور، فتسبب وقوعه المفاجئ في غرس سلاحه الزجاجي القاتل في معصم (عادل

أفزعنا منظر الدماء التي تفجرت من معصمه الأيمن و سالت من بين أصابع يده اليسرى التي كان يضغط بها على موضع الجرح لإيقاف الدماء . طلبت من السكرتيرة أن تتوقف عن الصراخ، و هرعت إلى طلب المساعدة و أنا أرقب هروب المعتدي بقلة اكتراث، مولية كل اهتمامي إلى سلامة (عادل) و إلى حجم الخطر الذي كان يطل برأسه من جرحه الطازج

و عوضاً عن التسمر إلى جانب السكرتيرة في انتظار المساعدة التي تأخرت انتزعت (طرحتي) بسرعة و ربطت بها موضع الجرح في معصم (عادل)، كانت دموعي تتساقط بغزارة و تسيل على خدي و تسقط على معصمه المغطى بالدماء . في تلك اللحظات انقشع ستار الغيب لجزء من الثانية، فراقبت اتحاد بكاء عيني مع بكاء جسده، ملأني شعور يقف على تخوم اليقين، شعور غريب مفاده أن هذا الرجل الذي امتزجت دموعي بدمائه هو قدري الذي لن أرغب يوماً في أن أهرب منه

لم تتوقف يداي الملطختان بدماء (عادل) – لثانية واحدة - عن الضغط على معصمه طوال الطريق إلى المستشفى، و لم تتوقف دموعي . بعد معالجة الجرح و إيقاف النزيف جوَّل طبيب المستشفى الشاب عينين فضوليتين بين وجه (عادل) الشاحب و وجهي المليء بالدموع، ثم استقرت نظراته المُقتحِمة على (الدبلة) الذهبية التي كانت تلتمع في يدي اليسرى قبل أن يخاطبني قائلاً بابتسامة ذات مغزى

- ضغطك على الجرح طوال الطريق كان تصرف كويس .. يعني تقدري تقولي لي زوجك كل ما يتشاكل معاك أو يحاول يزعلك : ما تنسى إني أنقذت حياتك في يوم من الأيام
نظرتُ إلى دبلتي الذهبية بفزع، أطرقت مفكرة، و غرقت في الصمت، بينما أجاب (عادل) على تظارف الطبيب الفضولي بابتسامة ودودة، قبل أن ينعطف بالحديث إلى مسار الإصابة و العلاج

لا زلت أذكر كيف صفعَتْ روحي – يومها - كلمة (زوجك) التي قذف بها ذلك الطبيب في وجهينا، تلك الصفة الرسمية التي خلعها شخص عابر على علاقتي المفترضة بـ (عادل) فتحت عيني المغمضتين عنوة على حقيقة خطيرة كانت تمور من حين إلى آخر في أعماقي و كنت أتحاشى التوقف عندها معظم الوقت ! .. حقيقة ما كنت أكنه لـ (عادل

يومها أدركت أنني أتحاشى الاعتراف بتلك الحقيقة لأنها تنازع ولائي لحقائق أخرى في واقعي كانت تأخذ حكم اليقين، تلك الحقائق التي يمكن تلخيصها في كوني فتاة (عاقدين عليها)، و زوجي شاب مغترب يعمل بجد في قارة أخرى حتى يتمكن من توفير دخل مناسب يمكننا من الزواج في أقرب فرصة كما خطط هو من قبل و كما وافقت أنا

لكن الحقيقة التي كنت أتحاشى مجاراة قلبي بشأن وقوعها هي أنني قد نسيتُ أمر هذا الرباط تماماً و غرقت حتى أذني في حب أستاذي المتزوج و الذي يكبرني بعقدين من الزمان

هززت رأسي كمن ينفض عن رأسه فكرة مرعبة و رفعت رأسي نحو (عادل) فضبطته متلبساً و هو يرمقني بنظرة طويلة بها حنان و امتنان و (شيء آخر) أشعل بي رغبة ملحة في معاودة البكاء، شيء غامض لا أدريه أعادني إلى نظرة (رجاء) الطويلة الفاحصة التي أدهشتني يوم التقيتها لأول مرة

و قبل أن يتفرع النقاش بين قلبي الذي كان يصر على البقاء و عقلي الذي كان يأمرني بمغادرة المكان فوجئت بـ (رجاء) تقف بالقرب من زوجها و تجوِّل عينين ثاقبتين بين وجهي الباكي و وجه زوجها المُتعَب


يتبــــــــــع
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2009, 03:25 PM   #3
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
خايف أصدِّق

دلفت إلى بهو المكتب في صباح اليوم التالي فوجدت الأرضية نظيفة مصقولة كعهدي بها كل يوم، و منضدة القهوة الكبيرة تجلس القرفصاء في وضعها المعتاد بزاوية شبه مائلة وسط نقوش السجادة الإيرانية الأنيقة . راودني الشك لجزء من الثانية .. هل كانت أحداث الأمس (حقيقة) أم أنها لم تكن ؟
اندفعتُ نحو مكتب (عادل) بلهفة لم أحاول إخفاءها . وقفت أمامه فأرسل نحوي نظرة هادئة باسمة، و كأنه يطلب منِّي أن لا أقلق، و كأنه يؤكد لي أن كل شيء على ما يرام . تأملتُ يده المعلقة على رقبته و الضمادات التي تغطي معصمه فكدت أجهش بالبكاء

أشار إلىَّ بالجلوس و هو يواصل ما انقطع من حديثه عبر الهاتف

معليش يا مدام .. حصل خير .. لأ .. ما في داعي للشوشرة
.................
أيوه .. البلد دي زي ما إنت عارفة رأس مال الواحد فيها سمعته
...................
طيب .. في أمان الله

لم أكن في حاجة إلى كثير من الذكاء كي أدرك أنه كان يعتذر بصرامة إلى زبونته فاحشة الثراء عن استمرار علاقة العمل التي تربط مكتبه بمجموعة شركاتها .. و بأنه لا يرغب في إثارة المشاكل و يفضَّل أن ينتهي الموضوع عند الحد الذي كاد أن يلقى فيه مصرعه بسبب إقحامها اسمه في خلافاتها الحادة مع زوجها

متأثرة بالتفاصيل العاصفة التي مررت بها قبل ساعات و كادت أن تتلف أعصابي أعربت له عن قلقي من "التسامح" كردة فعل سلبية و "متخاذلة" و لا تليق بفداحة فعلة الرجل، و علَّلتُ اعتراضي على اقتصار ردة فعل "المكتب" على إيقاف التعامل الرسمي مع شركات و مؤسسات تلك الزبونة بأن ما كان من زوجها بالأمس هو جريمة (شروع في القتل) تستوجب ملاحقة قضائية صارمة
لكني فوجئت بـ (عادل) يشير برأسه معترضاً (أن : لا) و كأنه يعلن بذلك رغبته في إنهاء الجدل حول هذا الموضوع، ثم رأيته يبتسم على نحو ذو مغزىً و كأنه يقول بابتسامته تلك إنه يرغب في الحديث عن أمر أكثر أهمية من حادثة الأمس

انتزعني صوته العميق من ارتباكي :

سلافة .. أنا بعتذر عن كل الـ تعرضتِ ليهو امبارح بسببي .. و بشكرك من أعماقي .. أنا جد مدين ليك بحياتي زي ما قال الدكتور

غامت عيناي بالدموع و بحثتُ عن صوتي فخرج هامساً متحشرجاً تسبقه دموعي :

الحمد لله إنك بخير

نهض(عادل) من مقعده و جلس بجواري مطرقاً، بقينا صامتين مطرقين للحظات طويلة ظننتها دهراً قبل أن يلتفت نحوي بجسده كله و يخاطبني قائلاً بصوت هامس و هو ينظر في عيني بعاطفة متقدة :

سلافة .. أنا خايف أصدق نفسي

منحني الغوص في سواد عينيه جرأة لم أعهدها في نفسي فقلت بثبات و وضوح :

صِّدق

ابتسم في سعادة و لمعت عيناه لبضع ثوان، لكن ملامحه سرعان ما تبدلت و كأنه استدرك أو تذكر شيئاً ما . شرد ببصره قليلاً قبل أن تستقر عيناه على دبلتي الذهبية و هو يردد في شرود :

خايف أصدق
صدِّق

قلتها بحزم و أنا أنقل بصري بعزيمة و ثقة بين دبلتي الذهبية و سواد عينيه الفاتن الآسر، و كأني كنت أحاول أخباره بجرأة – لم أعهدها في نفسي قبل تلك اللحظة - أن (رباطي الشرعي) لم يحفظ قلبي من الوقوع في حبه المستحيل بحسابات الواقع و الممكن جداً بدفوع قوانين العشق التي تبرر قفزه خارج الأطر

قطع علىَّ رنين هاتفي الجوَّال إبحاري الدءوب في سواد عينيه، فانتفض جسدي رغماً عني، بحثتُ عن نبرة محايدة في صوتي الذي تهدج من فرط عاطفتي، فتلوَّن بنبرة ناعسة، و خرجت مني بالكاد (ألو) هامسة تحوَّلت إلى صيحة فزع عندما أتاني صوت والدي حزيناً باكياً

كانت محادثة والدي الهاتفية تلك بمثابة صفعة أعلن القدر من خلالها تضامنه المتطرف مع خطيبي (ياسر)، و أودعها استنكاره استهانتي بعهوده الشرعية التي حشد لها أهله و أهلي (العمم) و (الملافح) و أولموا لتوثيقها الولائم، ثم أسقطتهُا أنا – بالأمس - سهواً من حساباتي، قبل أن أتمادى في غيِّي فأسقطها في تلك اللحظات عمداً، و أطوِّح بعهودي الشرعية إلى (سَهَلة) النسيان

يومها نقل إليَّ والدي بصوت باكٍ نبأ وفاة والد (ياسر) الذي اختطفه الموت على حين غرة إثر إصابته بوعكة (ملاريا) نمطيَّة كالتي تصيب معظمنا في هذا البلد التعس . بكيت بحرقة و شعور هائل بالذنب يجثم على صدري، غادرت المكتب على عجل و أنا لا أكاد أرى الطريق أمامي

في بيت أنسبائي - أهل (ياسر) - جلست مطرقة، باكية، يغمرني شعور فظيع بالعار و المذلة، و يطاردني إحساس مزعج بتفاهتي . مشاهد الذكريات الدافئة المشتركة كانت ترجم قلبي الخاطئ بحجارة اللَّوم و التأنيب و كأنها تقيم عليه الحد

ضحكات والد (ياسر) التي اختلطت بدموع الفرح – يوم عقد قراننا - و هو يهنئ عروس ابنه البكر، نبرة (المَحنَّة) و الاعتزاز التي تغمر صوت (ياسر) كلما تحدث عن أبيه، زياراتي الشحيحة لبيتهم في الأعياد، ابتسامته الكبيرة و هو يمسك بيدي و يصر على مرافقتي للسلام على (الحاج) في الصالون

خططنا المشتركة و أحلامنا المتواضعة، أحاديثنا الهامسة المرحة عن أطفالنا القادمين .. قناعتي بـ (ياسر) كزوج تركت له عنان أمري .. كيف نسيت كل هذا و غرقت في حب (عادل) ؟

أتاني صوت (ياسر) عبر الهاتف جزعاً باكياً فانفجرت بالبكاء، لم يفتح الله عليَّ بجملة عزاء مكتملة تعينه على احتمال الحزن في غربته الباردة . بكيت بحزن عميق و كأنني كنت أبكي إلى جانب موت أبيه موت الذي بيننا بعد أن أماته عشقي لـ (عادل

بعد لحظات طويلة من الصمت و النحيب المشترك فاجأني (ياسر) بقراره :

سلافة .. أنا أخذت أجازة اضطرارية .. لازم ألاقي أمي و أخواتي .. ما بقدر أنتظر لحد مواعيد أجازتي السنوية .. أنا جايي السودان بكرة

................... !

أذهلتني ردة فعلي الباردة، و ضيقي من ملاقاته و كأنني أخشى أن يقطع وجوده علي قلبي تَمرُّغه في حب (عادل) و استسلامه الكامل للتدلُّه في هواه، و حسابي للساعات و الدقائق التي أقضيها بعيداً عن صوته و ابتسامته و عينيه الآسرتين

يتبع
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2009, 03:58 PM   #4
الحفراوي
عضو جيّد جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 1,628
محجـــــــوز
التوقيع
&& اللهم إنا نرجو رحمتك ونخشى عذابك &&
الحفراوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-26-2009, 11:39 AM   #5
بنت ابوها
عضو جيّد جداً
 
الصورة الرمزية بنت ابوها
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
الإقامة: بلد الخير والطيبة
المشاركات: 2,212
في انتظار التكملة ........... كل تقديري
التوقيع


بشراك يا (أم المهند) فاسعدي .... وتذكري خير الدعاء ورددي


بنت ابوها غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2009, 01:42 AM   #6
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
السلام عليكم الحفراوى وبنت ابوها هاكم الحلقة الرابعة
(4)
جحيم من عيون


في الطريق القصير بين أحضان الأم التي تبقى على العهد أبداً و حضني الذي أعلن تمرده الأبدي أرسل (ياسر) نحوي نظرة شوق لا تخطئها العين – أي عين – حتى و إن كانت عيني التي باتت لا ترى سوى طيف (عادل)

ارتمى (ياسر) بين ذراعي و بكى طويلاً . أفزعني بكاؤه ربما لأنه أشعرني كم تعني له علاقتنا التي بتُّ أراها قيداً و عبئاً ينوء بحمله صدري . داهمني خوف هائل و شعرت برغبة عارمة في الهرب . تملَّصتُ من بين يدي (ياسر) بخفَّة متعلَّلة بنظرة مفادها الخجل من نظرات أمه و أخواته

طيلة أيام العزاء التي قضيتها في بيتهم بقي (ياسر) يلاحقني من غرفة إلى أخرى، بينما ظللتُ أتعذر بازدحام البيت بالمعزين . كانت عيناه تلاحقان وجهي في سؤال صامت عن شيء لا أدريه . و كأنه أحس بذلك الفتور الهائل الذي كنت أجاهد لإخفائه عنه، و كأنه استشرف بدوره موت الذي بيننا لكنه أبى أن يصدق حدسه

أدهشني كثيراً ذلك الوله الذي كنت أراه يطل من عينيه، فـ (ياسر) لم يكن يوماً شاباً عاطفياً، بل كان منذ صباه مشروع زوج تقليدي يتلهف لإنجاب الكثير من الأطفال، و يتمنى تأسيس أسرة يغلب عدد ذكورها على إناثها حتى يتمكن من نسج قماشة أسرية مغايرة لواقعه الذي عاشه في بيت أهله . و حتى يخلِّص أسرته من عقدة (الولد الواحد) التي عاشها طوال عمره محاطاً بـ نصف دستة من البنات

و لأنه لم يتقدم لخطبتي بعد قصة حب عاصفة بل اختارني بهدوء متكئاً على خلفيات تقليدية أولها و أولاها تلك الصداقة العتيدة التي كانت تربط بين والده المرحوم و والدي، لم أتوقع منه الإغراق في تفاصيل رومانسية، و كنت أتفهم جيداً أنه - و على العكس منِّي – ليس شخصاً حالماً أو رومانسياً

ربما لقناعتي بهذا كنت أسأل نفسي طيلة أيام العزاء لماذا كان يلاحقني بعينيه طوال الوقت، و لماذا كان جريئاً على غير عادته في التعبير عن لهفته للإنفراد بي بعيداً عن عيون أهله و أهلي ؟

هل شعر (ياسر) بانصراف قلبي عن محاولاته المثابرة للبقاء على عهد الحب الذي قطعناه معاً و نحن بالكاد نعني ما نقول ؟! .. هل استشعر بحاسته السادسة كم كان يملؤني و يطيش صوابي عشق رجل آخر عرفته بعده ؟

هل أجج رحيل والده المفاجئ عواطفه الهادئة فارتبك سلوكه الذي كان مفرطاً في الوقار بشأن رؤيته لطبيعة علاقتنا في الماضي ؟! .. لم أكن أكيدة من شيء، كل ما كنت أدريه هو أن عيناه كانتا تلاحقان جسدي - الذي بدا ناحلاً من فرط عشقي لـ (عادل) - أينما و كيفما وقفت أو جلست أو مشيت

كان تحديقه المتواصل في عينيّ و كفيّ و شفتيّ يكاد يدفعني إلى الجنون، و يزيد من خشيتي أن يطل طيف (عادل) من بين أجفاني فيفتضح أمري أمام الرجل الذي عاهدته بمواثيق الشرع و العرف و الدين و الأخلاق على أن أكون له وحده دون سواه . عبثاً كنت أحاول الفرار من جحيم عينيه اللتين تطاردان أسارير وجهي كلما حانت مِّني التفاتة أو صدرت عنِّي إيماءة ؟

هل كان (ياسر) يرقب حركاتي و سكناتي فعلاً أم كان شعوري بالذنب يوهمني بحدوث أشياء لا وجود لها ؟! .. من بين احتراقي في جحيم عينيه أطل ذلك السؤال . لم أنجح في خلق إجابة واثقة، لكنِّي دعوت الله أن تنقضي أيام العزاء على خير، فـ استجاب لدعائي .. ليس لأنِّي أستحق، بل لأنه الله العظيم، الغفور، الحليم

هاتفني (عادل) متعللاً بقضايا الموكلين و جلسات المحاكم التي فات عليَّ حضورها بسبب ظروف العزاء، أتاني صوته قلقاً و هو يسألني بلهفة عن (ياسر)، و عندما أخبرته بعودته إلى البلد لحضور العزاء لاذ بصمت طويل.. و كأنه كان يفكر .. أو كأنه كان يسألني من خلال صمته الطويل عن مصير ما بيننا من عهود

الغريب أن إحساسي بالولاء لعهد (عادل) كان أعظم و أولى و أبقى عندي من إحساسي بقيود (ياسر) الشرعية، و شعوري بالذنب في لحظة صمته التي أعقبت إخباري له بعودة خطيبي كان أعمق من شعوري بالذنب تجاه (ياسر)

و عندما طال صمت (عادل) عذبتني حيرته كثيراً .. فناجيته في سري بينما كانت أساريري تنتهج الحياد خوفاً من رادار (ياسر) .. آه يا (عادل) لو تعلم فقط كيف و كم أحبك لملأ الاطمئنان روحك .. و لما زارتك الحيرة لحظة واحدة

تشتَّت تركيزي و تمزقتُ بين عيني (ياسر) اللتين كانتا تنظران بفضول إلى الهاتف الجوال المثبت على أذني و شكوك (عادل) التي كانت تنتظر يقين صوتي

أنا نازلة الشغل بكرة

قلتها بحنان و وله لم يخطئهما قلب (عادل) فكانت جملتي تلك قراراً لا رجعة فيه بالفرار من جحيم عيني (ياسر)، واجهته بفحواها غير عابئة باستنكاره بعد أن أمدني صوت (عادل) بشجاعة عظيمة

أنا ماشة البيت
بالسرعة دي ؟!
معليش يا ياسر .. لازم أنزل الشغل بكرة .. أنا لي أسبوع غايبة .. و في شغل كتير لازم أشتغله و صعب جداً يتأجل
لكن نحن لسة ما قعدنا مع بعض .. في كلام كتير ما قلناه
ح نقعد أكيد
متين ؟!
أي وقت تحدده إنت .. بس أنا لازم أنزل الشغل بكرة
أسمعي .. أنا بكرة ذاتي ماشي الخطوط أؤكد حجزي .. و ح أمر بشارع مكتبكم لأنه في طريقي .. ممكن أسجل ليك زيارة هناك بكرة ؟
ممكن طبعا ً تشرفنا كتير
خلاص اتفقنا

في صباح اليوم التالي كان قلبي يسبقني و يتقافز أمامي متململاً راكضاً صوب مكتب (عادل) .. وما أن وقعت عيناي عليه حتى أجهشت بالبكاء

مشتاق ليك .. غلبني الصبر
و أنا مشتاقة ليك أكتر
سلافة .. أنا كنت خايف شديد .. أول مرة في حياتي أخاف كدا .. و لسة خايف ! .. فاهماني ؟
فاهماك .. و بقول ليك ما تخاف
قطع رنين هاتفه الجوال علي كلينا سياحته المحمومة في تقاطيع الآخر فتنهد (عادل) بما يشبه الضجر و خرج صوته متحشرجاً :

أيوه يا رجاء
.............
وين ؟! .. باب المكتب ؟
..............
طيب .. أوكي .. منتظرك

كان مضمون حديثهما يوحي بوضوح أنها بالقرب من مكان جلوسنا، خرجتُ من مكتب (عادل) على عجل ليحدث ما كنت أخشاه فأصطدم بها، فررتُ من سيوف عينيها و اعتصمتُ بمكتبي في انتظار رماح عيني (ياسر)

أيقنت لحظتها أن عشقي لـ (عادل) له وجه آخر هو محض احتراق في (جحيم من عيون) .. جحيم عيني ياسر و عيني رجاء
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2009, 01:59 AM   #7
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
اسئلة جالت بخاطرى وانا اقرا هذه القصة الرومانسية لو كنت ايها الرجل زوجا للكاتبة وقرأت هذه القصة هل تشك فى انها ربما كانت قصة حقيقية ؟ وربما فعلا زوجتك غارقه فى حب شخص اخر؟
هل يزعجك كتابة زوجتك لهذا النوع من القصص؟؟
هل تحس فى ثنايا القصة انها توجه اليك رسائل مبطنه على لسان ابطال القصة؟
ام تعتبر كل هذا مجرد خيال وحس درامي وفنى عالي؟
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2009, 11:30 AM   #8
بنت ابوها
عضو جيّد جداً
 
الصورة الرمزية بنت ابوها
 
تاريخ التسجيل: Feb 2005
الإقامة: بلد الخير والطيبة
المشاركات: 2,212
لاقواعد للحب ولكن ربما تحولت الغيرة لشك .....

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alklaklah مشاهدة المشاركة
اسئلة جالت بخاطرى وانا اقرا هذه القصة الرومانسية لو كنت ايها الرجل زوجا للكاتبة وقرأت هذه القصة هل تشك فى انها ربما كانت قصة حقيقية ؟ وربما فعلا زوجتك غارقه فى حب شخص اخر؟
هل يزعجك كتابة زوجتك لهذا النوع من القصص؟؟
هل تحس فى ثنايا القصة انها توجه اليك رسائل مبطنه على لسان ابطال القصة؟
ام تعتبر كل هذا مجرد خيال وحس درامي وفنى عالي؟

صديقةٌ تكتب الكثير من القصص الجميلة تكتفي وحدها بقراءتها او علي اكثر تقدير تعطيها لصديقتها لتقرأها ,,,, قالت لي :

(احب زوجي جدا وحاولت دوماً اشراكه في كل ما افعل ,,,, شجعني كثيراً في باديء الأمر ثم بدأت الاحظ انه يسالني عن ابطال قصصي

من هم ؟
قصتك اقرب للواقع ؟
القصة دي فيها صدق زايد شويه ؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ )

لم احسه يقيدني او يُكبلني ولكننني احسسته رجل يُحب ويغار ولم ارد ان اندم يوماً علي شرخ حبي لاسباب لايد لي ولا يد له فيها فقررت ان اكتب لنفسي ولمن اثق بهم دون ان اطلعه علي كل ما أكتب مخافة ان تتحول الغيرة لشعور طاغٍ آخر



****

الكلاكلة ................... متابعين لسه وياريت ماتتطول الغيبة بين فاصل وفاصل
التوقيع


بشراك يا (أم المهند) فاسعدي .... وتذكري خير الدعاء ورددي



التعديل الأخير تم بواسطة بنت ابوها ; 03-29-2009 الساعة 11:40 AM
بنت ابوها غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2009, 03:42 PM   #9
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
السلام عليكم الاخت بنت ابوها
نحن معاشر الرجال نغار جدا واااااااى شىء ولا اللعب فى الحتات الحساااااسه دى حتى لو كان بالخيال وصديقتك خيرا فعلت بان اصبحت تحتفظ بما تكتب لنفسها حفاظا على حب زوجها لها وقفلا للباب الذى تاتى منه الريح
لانو بصراحه فى ناس خيالهم يخوف - خيال مؤسس شديد - وفيه تفاصيل دقيقه مما يجعل الفار يلعب فى عب الزوج.
لكن حقو نعمل بمقتضى الايه " والشعراء ويتبعهم الغاوون ألم تر انهم فى كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لايفعلون "
.

بالنسبة للقصة انا والله متشوق اكتر منك للنهايه حقتها لكن المشكلة انا ذاتى قعد اجيبا من قروب فى الفيسبوك حق جريدة حكايات والزول هناك بنزلها بالقطارة فشيلى الصبر يا بنت ابوها
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2009, 08:05 PM   #10
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018

(5)
عصر الفُراش


كعادتها .. انبثقت (رجاء) من العدم لتفسد علينا - (عادل) و أنا – حرارة اللقاء الذي انتظرناه طويلاً بعد غيبتي عن المكتب لعدة أيام قضيتها في بيت نسابتي و أصبت خلالها بالتخمة و التشبع من وليمة الأسئلة الصامتة التي كانت تفترش عيني (ياسر) – خطيبي (أو) زوجي مع إيقاف التنفيذ – مع كل صباح كانت شمسه تطلع علينا معاً تحت سقف بيتهم
مكالمة (عادل) التي كان ظاهرها مناقشة أمور العمل و باطنها الشوق و القلق من عودة (ياسر) المفاجئة حَسمَت أمري، فقررت أن الوقت قد حان للعودة إلى المكتب و استئناف العمل الذي تركته و انهمكت في ممارسة دور (مَرَة الولد) التاريخي : الجلوس قبالة النسيبة و الحموات و (عَصْر الفُراش) معهن في انتظار فلول المُعزِّيات

و بإخلاص كبير أنتجه شعوري بالذنب شاركتهم الأحزان و بادلتهم الذكريات باعتباري جزءاً أصيلاً من (لوحة) : العروس المهذبة حديثة العهد بالنسابة الكرام، بينما ظل قلبي يتقافز خارج إطار هذه اللوحة التي بات زاهداً فيها بعد أن امتلأ بحب (عادل) متململاً يشكو فراقه . و حين يجن الليل و يعم السكون كان هذا القلب يركل ضلوعي بعنف كطفل عنيد أخرق أفسده الدلال فما عاد يأبه بأي اعتبار

كان (ياسر) قد فاجأني برغبته في أن يعرِّج عليَّ في المكتب ظهراً بعد أن ينهي إجراءات سفره، فازداد حرصي يومها على الحضور في وقت أبكر من المعتاد لأحظى ببعض الوقت بصحبة (عادل) قبل موعد مجيئه، لكن اليأس أصابني من الاستئثار برفقة (عادل) طيلة ذلك الصباح بعد أن فاجأتنا (رجاء) بزيارتها المزعجة

شيء غريب كان يطل من عيني تلك الـ (رجاء) كلما التقينا، شيء ينبئني بأنها تخشى على زوجها منِّي، شيء لم يتخلَّق بفعل علاقتنا الوليدة و التي لم تكن هي تعلم عنها شيئاً بعد، بل كان شيئاً يشبه الحدس أو التنبؤ . أقول هذا لأني كنت قد رأيت ذات الشيء في عينيها يوم أن قابلتها و (عادل) لأول مرة

انتزعني مجئ (ياسر) من نوبة الغيظ العارمة التي سيطرت عليَّ و أنا أتلظى بانفراد (رجاء) بحبيبي (عادل) الذي كنت أعتبره في ساعات العمل ملكي وحدي حتى في وجود زوجته . و لحسن الحظ لم يكن في نية (ياسر) أن يبقى طويلاً يومها و إلا لفضح الغيظ - من انفراد (رجاء) بـ (عادل) في مكتبه - أمري

عندما علَّق (ياسر) على ارتباكي علَّلتُ الأمر بازدحام القضايا التي تراكمت في غيبتي، و بقلقي الشديد من فوات أوان اللحاق بركب الجلسات التي فاتني حضورها، فأومأ برأسه في تفهُّم أنبأني بأن شكوكه لم تكن بشأن علاقتي بـ (عادل) او غيره بل كانت بشأن حماسي لتفاصيل علاقتنا هو و أنا

و بعد لحظات من (الونسة) المتعثرة أعرب (ياسر) عن رغبته في الذهاب فمنحني استئذانه في إنهاء زيارته الثقيلة عذراً جيداً لأقطع على (رجاء) انفرادها بـ (عادل) . بعدها أصلحت من هندامي، تنفست بعمق، و ضعت على شفتي ابتسامة صفراء كبيرة، ثم طرقت باب مكتب (عادل) بأصابع ترتجف من الغيظ . و عندما أتاني صوته الحبيب يأمرني بالدخول أطللت برأسي من فتحة باب مكتبه، ثم أخبرته بلهجة متظارفة عن رغبتي في تعريفه بخطيبي (ياسر)

لاحظتُ - بفرح - كيف وقفت (رجاء) و هي تحمل حقيبتها استعداداً للخروج فسبقتهما إلى بهو المكتب حيث كان (ياسر) يقف متململاً في انتظاري

أغاظني جداً صوت حديثهما الهامس و هما يسيران خلفي ببطء الزوجين المنسجمين في حديث أسري حميم . همست لنفسي بدوري : هل كانت تسأله عنِّي ؟! .. لم أستطع الجزم بشيء لكني كنت أكيدة من أنها كانت تتمنى أن يلتم شملنا – خطيبي ياسر و أنا - في أقرب وقت حتى يزول عنها الشعور بالخطر ! .. مسكينة جداً، جداً . مسكينة لأنها لم تكن تعلم أن قرار ابتعادي عن عالم (ياسر) أسهل بكثير من قرار ابتعادي عن طريق (عادل)

توليت مهمة تعريفهما بـ (ياسر) ثم و وقفنا نتبادل التحيات و المجاملات . كان ذلك اللقاء مصادفة تاريخية ساخرة جمعت كل ذوي الشأن في أمر علاقتي و (عادل)، تلك العلاقة التي لا تحتمل القسمة على أربعة، و إن كانت تحتمل القسمة على ثلاثة بعد لأي ! . تلك العلاقة التي تشبه (لعبة الكراسي) مع تعديل بسيط هو أن سؤالها الرئيس ليس : من الذي سيجلس على الكرسي ؟! .. بل : من الذي سيبقى بلا كرسي ؟
بعد لحظات ارتدت غلالة الساعات غادَرَنا (ياسر) و تلكأت (رجاء) بضع لحظات مرت علينا كساعات طوال قبل أن تقرر أن تغادرنا هي الأخرى ! .. شعرت قبلها و بعدها بضيق شديد لكن أجمل ما في عينَيْ حبيبي (عادل) هو أن الغوص في سوادهما كان ولا يزال ينسيني كل شيء . ما أن خلونا إلى بعضنا حتى نسيت ارتباكي و تململي من زيارة (ياسر)، و سخطي و غيظي من زيارة (رجاء)، و غيرتي الفظيعة من انفرادها به في الزمان و المكان اللذين كنت أعتبرهما ملكي وحدي

قبل شروعي في استئناف العمل كنت قد ادعيت أمام الجميع في بيت أهل خطيبي (ياسر) أن عودتي إلى العمل أمر لا مناص منه لأن الكثير من المهام كانت بانتظاري في المكتب، و الحقيقة أنني لم أكذب عليهم من حيث المبدأ، فقد كانت بانتظاري (مهام عاطفية) أنجزتها على أكمل وجه . قضينا (عادل) و أنا طيلة ذلك النهار بعد انصراف (ياسر) و (رجاء) معاً و بلا عمل تقريباً علَّ أشواقنا المبرِّحة تهدأ و لو قليلاً

في صباح اليوم التالي للقائنا الرباعي غادرَنا (ياسر) إلى غربته الباردة وسط دموع والدته و أخواته التي فجرها رحيله من جديد، لكن أحزانه الكبيرة لم تنسه أن ينفرد بي قليلاً ليخبرني بأنه عائد بعد ستة أشهر و في حوزته الأوراق التي تخول له اصطحابي بعد أن يصبح زوجي مع بدء التنفيذ


يتبــــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-01-2009, 01:54 PM   #11
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
(6)

فلسفة أنثوية !

لبنات جنسي منطق غريب في النظر إلى مفهوم الخيانة، منطق يعتبر مجرد الشروع في الفعل جريمة مكتملة الأركان حيناً، بينما يعتبر حدوث ذات الفعل ذنباً مغفوراً في أحايين أخرى . فالخيانة من منظور النساء مسألة معقدة لا تقتصر على تجاوزات الحواس الخمس !

تلك الفلسفة الأنثوية التي تتكئ على مبدأ (سبق الإصرار و الترصُّد) تعتبر تجاوزات الجسد (أوهى) أنواع الخيانة، و لأن أغلب النزوات لا تقع مع (سبق الإصرار) تلوذ معظم الزوجات بالغفران !

إنما .. يظل هنالك أمران لا يشملهما عفو المرأة : أن يصدر عن رجلها قول أو فعل ينبئ عن استعداده للتخلي عنها، و أن يتزوج رجلها أو يشرع - حتى - في الزواج من أخرى ! .

و على الرغم من كون (النزوة) خيانة بتعريف الدين و الأخلاق إلا أن المرأة تغفرها لعدم توافر سبق الإصرار فيها، بينما ترى في (نية التأبيد) التي تقوم عليها فكرة الزواج من أخرى الوجه الآخر لمعنى الإصرار و الترصد !

و هنا بالضبط يكمن الفرق بين الخيانة العابرة التي تغفرها معظم الزوجات على الرغم من تحريمها و الخيانة العاطفية المتمثلة في (فعل) الزواج من أخرى حتى و إن كان هذا الفعل حلالاً .. زلالاً !

و هكذا .. باتكاءة لطيفة على هذا المنطق الأنثوي التاريخي تنفست (رجاء) الصعداء و اختفت من عينيها تلك النظرة الثاقبة المُتَّهِمة التي كانت ترشقني بها كلما التقينا . فهي و بعد لقاءها خطيبي (ياسر) في مكتب (عادل) لم تعد ترى في قربي منه خطراً حقيقياً يهدد بتقويض عرش مملكتها الزوجية ..

لقد كان احتمال نية التأبيد هو ما يقلقها بالدرجة الأولى، أكثر من خطر إمكانية نشوء علاقة عابرة بيني و زوجها . فالمهم بحسب منطقها الأنثوي (النمطي) هو أنَّني كنت يومها (مرة راجل) . و عليه فمن المحال شرعاً و قانوناً أن أتحول إلى شريكة شرعية و قانونية في أملاكها أي : في (عادل) ! ..

كانت (رجاء) تعوِّل في اطمئنانها على القانون الذي يقول باستحالة مشاركتي إياها في زوجها بحجة رباطي الشرعي، بينما كنت أرقب اطمئنانها المسكين بخبث و أنا أراهن في سرِّي على حقيقة أخرى مفادها أن القانون لا يحمي المغفلين ! ..

و بعيداً عن موقفي من زوجة (عادل) ضبطت نفسي متلبسة بتطبيق ذات المنطق الأنثوي في حكمي على سلوكي تجاه ارتباطي بـ (ياسر) . أما طقوس العفة التي ظللت أحافظ عليها في كل تفاصيل علاقتي بـ (عادل) فلم تنجح في انتزاع براءتي من تهمة الخيانة العظمى التي اتهمتُ قلبي بارتكابها .

هل كان (ياسر) يستحق ما فعلته به ؟! .. هل كان (عادل) يستحق ما فعلته بـ (ياسر) من أجل سواد عينيه ؟! .. خطيبي (ياسر) كان عريس (لقطة) بكل المقاييس الموضوعية و المجتمعية .. كان شاباً عقلانياً لا يتمتع بروح المغامرة و كانت تلك (محمدة) نادرة، فأفضل زوج يمكن الحصول عليه في مثل هذا الزمن الرديء هو زوج رصين لا يميل إلى المغامرة !

رغم قناعتي بكل هذا كان الذعر يتملكني كلما تخيلت حياتي الهادئة الوادعة و سعادتي المفترضة في كنف (ياسر) الذي سيكون ملكي وحدي، بينما كان قلبي يمتلئ بالحبور كلما فكرت باليوم الذي قد أكون فيه ملكاً لـ (عادل) و يكون بعضه فقط ملكي. بعضه فقط . و الغريب أن ذلك (البعض) كان حلمي الكبير و أمنيتي الوحيدة التي أعيش لأجلها و أكرس جل حركاتي و سكناتي لأقترب منها شيئاً فشيئاً .

من أجل (عادل) تلونت أفعالي بالجرأة و التمرد، و من أجله بت أضيق ذرعاً بكل ما يعزز ارتباطي بـ (ياسر) . كان تعاقب الأيام يقلقني لأنه يشعرني بقرب موعد إتمام زواجي و رحيلي عن دنيا (عادل) التي أعشق تفاصيلها إلى عالم (ياسر) البارد الموحش الذي أجهله و أتمنى أن أبقى على جهلي به .

كنت أفكر طوال الوقت بـ (طريقة ما) للخروج من ذلك المأزق عندما سمعت مصادفةً بأن الكلية قد فتحت أبواب التسجيل للسنة الجديدة في قسم الدراسات العليا . و كنت أعلم علم اليقين بأني لا أملك الوقت لذلك، و بأن ظروف عملي ستحول حتماً دون تقيدي بمواعيد المحاضرات . لكني رغم كل ذلك اتخذت قراري و شرعت في تنفيذه قبل أن أزف الخبر إلى (ياسر) ببرود و لامبالاة أفزعته و أطارت صوابه . و كانت تلك بالضبط ردة الفعل التي ظللت أبحث عنها :

- ماجستير شنو ؟ .. إنتِ فضل ليك كم شهر و تجي تعيشي معاي هنا ! ..
- .................. !
- و بعدين الماجستير دا ما ممكن تعمليه هنا لما يحين الوقت المناسب ! ..
- ................. !

تصنعت الغضب و أنهيت المكالمة و كأنه هو الذي فاجأني بقرار متهور و أساء إلى ارتباطنا و ليس أنا . بمرور الوقت أصبح لسان حالي في المعاملة مع (ياسر) هو سياسة (ما تكتحنا .. نص البحر) . كان عنادي المستفز يزداد مع اقتراب موعد أجازته التي يفترض أن تكون نهايتها بداية سعيدة لحياتنا الزوجية الأبدية . إنما الذي حدث هو أنني قد فاجأته - بعد مرور بضعة أيام فقط على عودته - بقراري الحقير، و الخطير


يتبـــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-03-2009, 06:35 PM   #12
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018

7
حقارة من أجل الحب

اليوم الذي حدد فيه (ياسر) أجلاً معلوماً لاكتمال طقوس زواجنا المؤجلة اتخذت علاقتي بـ (عادل) طابع التخطيط . كان تواطؤ (عادل) مع تمردي في البدء تضامناً صامتاً (تفاقم) بمرور الوقت إلى (تحريش رسمي) يتسربل بثياب النصيحة :

إنت حرة في قراراتك .. لكن لازم تعرفي إنو أنا من جهتي بتمنى أعيش معاك باقي عمري
....................
يا سلافة .. إنتِ ما طفلة عشان تقضي باقي حياتك مع زول ما بتحبيه عشان خايفة من أهلك ؟
...................
الشجاعة في اتخاذ القرارات الـ زي دي أمر بـ يتوقف على مدى تأكدك من حقيقة مشاعرك
- ....................
- سلافة أفهميني .. أنا ما كذبت عليك .. إنت عارفة ظروفي كلها .. و رغم إنو الظروف دي مستحيل تتغير .. أنا بوعدك لو بقيت عليّ ما ح يجي يوم تندمي .. و الخيار في النهاية خيارك

لم أفهم يومها بالضبط فلسفة (عادل) في تعريفه لمفهوم (الخيار) . و على العكس منه تماماً كنت أرى الحب رق و عبودية، و تساءلت في نفسي : كيف يملك الخيار من أسلم نفسه لعبودية الحب ؟! . كنت أرى حبي لـ (عادل) حقيقة لا تخضع للسفسطة و لا تحتمل قوالب المُثل الضيقة

و عندما يستيقظ ضميري كنت ألقمه أحجار المبررات : ما السعادة التي قد يجنيها (ياسر) مع زوجة تبقى إلى جانبه بدافع الواجب ؟! .. و هل يملك أن يسعد الغير من يحيا في تعاسة ؟! .. الأفضل لكلينا إذاً أن نفترق .. ثم كيف لي أن أضمن ولاء (ياسر) لعلاقة رمادية ينقصها الشغف ؟!

كان إحساسي بظلمي لـ (ياسر) يعزز من ثقتي بصدق حبي لـ (عادل) . إذ لو كان (ياسر) وغداً يستحق أن أتركه لأجل رجل آخر لما تعاظمت ثقتي في هذا الحب و لكنت اعتبرته مجرد تعويض عن نقص أو محاولة لـ ملء فجوات علاقتي بـ (ياسر) و ترقيع ثقوبها . كنت أرى أن عظمة هذا الحب تكمن في كونه قد فاجأني في عز قناعتي المطمئنة بحالي و رضاي البريء بالنحو الرتيب الذي كانت تسير عليه حياتي

لم أتعمد شيئاً و لم أراهن على شيء، كنت أسير في أمان الله عندما صادفت هذا الحب الذي أمسك بتلابيبي . إن لم تكن تلك إرادة الله فهي ليست إرادتي و إن لم يكن ذلك تدبير الله فهو ليس تدبيري . أنا امرأة كانت تتنزه ببراءة على ضفة نهر، داهمها النعاس فأغمضت عينيها و استسلمت لسلطان النوم . و عندما أفاقت وجدت نفسها تغرق في قاع النهر، مسجونة في صمت الأسماك . فلأغرق وحدي إذاً و ليذهب خطيبي و جيوش الأسئلة التي تحتشد في عينيه إلى أبعد ضفة ممكنة
بمرور الوقت تمخضت سياسة (ما تكتِّحنا) التي انتهجتها مع توسلات (ياسر) بكل ما أوتيت و بكل ما اكتسبت من عناد و قسوة عن استسلامه الحزين بعد أن دكَّت وقاحتي و شراستي كل حصون احتماله و تجُّمله
سلافة أنا خلاص فهمي كِمِل .. واحد من إتنين .. يا أنا ما كنت بعرفك كويس .. يا إنت تغيرت و تحولت لإنسانة تانية غريبة عني
...................... !

أشهد الله أن ذلك الـ (ياسر) رجل بمعنى الكلمة و أن ردة فعله المهذبة تجاه سلوكي المهين قد رفعت قدره عندي و أكسبته مهابة و جلالاً في عيني . إنما لا حيلة لي فيما لا أملك . الحب ليس عقاراً يباع في الصيدليات

الليلة التي أخبرت فيها والدي بقراري كانت ليلاء . ما زلت حتى اليوم أجهل سر الشجاعة التي ملأتني بما يكفي للصمود في وجه سيل الأسئلة الساخطة و التهديدات العنيفة التي أغرقني فيها والدي بكل حواسه الخمس

لا أعرف كيف امتلكت القوة التي جعلتني أغمض عيني و أقفل أذني عن محاضرات أمي التي كانت تتلون بين التوسل و الوعيد . كيف احتملت كل هذا ؟! . كيف قاومت شعوري بالخوف و الفزع و أنا أبيع رباط (ياسر) الراسخ في اليابسة لأشتري وعود (عادل) العائمة في مياه الاحتمال ؟

أعلن (ياسر) استسلامه لتمردي الغادر رسمياً بزيارة خاطفة لعتبة بيتنا . عاد والدي بعدها إلى الداخل متهدل الأكتاف غائر العينين يحمل في يده (صك) حريتي التي قاتلت لأجلها ببسالة و خضت في سبيلها حرباً سلاحها الحب

سؤال وحيد كان ينهش صبري في انتظار الصباح : ترى بعد كل ما فعلت .. هل يفجعني (عادل) بالخذلان ؟



يتبـــــــــــع


مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2009, 03:01 PM   #13
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
(8)
ملامح الخذلان

بعد زيارة (ياسر) الخاطفة لعتبة بيتنا ظل والدي ساهراً لبضع ساعات و هو يردد كلاماً كثيراً قاسياً عن هم البنات الذي يلازم الآباء الأشقياء من أمثاله حتى الممات، بينما فضلت أمي مواصلة النواح و الولولة بعد أن رأت - رأي العين - قرار انفصالي عن (ياسر) و هو يتحول إلى مرحلة التوثيق الذي لا رجعة فيه، متمثلاً في تلك الورقة التي دسَّها (ياسر) في كف أبي بحدَّة قبل أن يغادر على عجل

تسللتُ إلى ركن مظلم بعيداً عن العيون الساخطة، و بقلب واجف و أصابع مرتجفة اتصلت بهاتف (عادل) الجوال لأزف إليه الخبر الذي طالما انتظرناه معاً، بل سعينا إليه معاً . (هو) بتحريضه المتسربل بثياب النصح و (أنا) بجفائي المتعمد و شراستي التي اتخذتُ منها درعاً صلباً في وجه توسلات (ياسر)

اتصلتُ بهاتف (عادل) الجوال لأخبره بأني قد أصبحت حُـرَّة . و بأني الآن ملك يمينه منذ الساعة و حتى مماتي . لم أستطع الانتظار حتى الصباح رغم أن الحديث مع (عادل) و هو في بيته كان يعذبني لأن صوته يأتيني مختلفاً، متحفظاً، هامساً، خائفاً من أن يرصده رادار (رجاء) الذي يعمل بكفاءة طوال اليوم . كنت أفضل و أحب صوته العالي و لهجته الواثقة عندما يكون بمنأى عنها و عن رقابتها الدائمة

إلحاح الرنين المتواصل الذي كان يتسوَّل الإجابة دون جدوى أصابني بالفزع فانقبض قلبي و تسارعت نبضاته و طفحت مسامي بعرق بارد غزير . يا إلهي .. أين أنت يا (عادل) ؟! .. منذ تعاهدنا على الحب و الوفاء لم يتجاهل أي اتصال كان يرده من هاتفي الجوال في الليل أو في النهار . حتى و إن هاتفته و (رجاء) ملتصقة به بسماجتها المعهودة كان يتنحنح و يرد علي بلهجة رسمية و يخاطبني بلقب كنا قد اتفقنا عليه سلفاً ليفهمني بأنه لا يستطيع الكلام و إن كان يسمع ما أود قوله، ثم كان يعاود الاتصال بي في أقرب سانحة

إلا في ذلك اليوم . لم يرد (عادل) على اتصالاتي التي بلغت العشرة فأصابني اليأس و الإحباط لكني تشجعت برصيدي الوافر من العهود التي قطعها أمامي و أقسم عليها بأغلظ الأيمان . تركت له رسالة هاتفية ملخِّصة لمضمون الحدث السعيد الذي كنت أتلهف لإخباره عنه و ذهبت إلى سريري متظاهرة بالنوم فراراً من جحيم عيون أهلي الساخطة، و ظللت مؤرقة أتقلب على صفيح القلق الساخن حتى طلع الصباح

تسللتُ من البيت في الصباح الباكر حتى لا أواجه بنظرات اللوم و التأنيب التي باتت تسكن عيون أهلي . اتجهت إلى مكتب (عادل) و عيني على شاشة هاتفي الجوال طوال الطريق، قلبي كقطعة من الشواء يتلظى بنيران القلق و الخوف، و هاتفي الجوال مصاب بالخرس، و زحام شوارع الخرطوم يكاد يفقدني صوابي

ألقيت تحية الصباح على الجميع بآلية و شرود ثم اندفعت نحو مكتب (عادل) كالرمح فوجدته خالياً . الخشب الذي كان لامعاً مصقولاً بعد تنظيف (العامل) الصباحي، و الأقلام المرتبة المرصوصة، و رائحة معطر الجو، و جهاز التكييف المغلق . كل شيء يوحي بأن قدم (عادل) لم تطأ مكتبه منذ غادره يوم أمس برفقتي

سألت السكرتيرة بصوت مختنق فقالت بأنها تحاول الاتصال بهاتفه منذ الصباح الباكر دون جدوى

يمكن مشى المحكمة طوالي

قلتها بصوت يشبه البكاء فعاجلتني بالضربة القاصمة :

لأ ما مشى المحكمة لأنو أستاذ أحمد اتصل قبل شوية و سأل عنه .. قال كانوا متفقين يحضروا سوا .. لكن أستاذ عادل تأخر
........................ !

للمرة المائة حاولت الاتصال بهاتفه الجوال دون جدوى . ظل (الهاتف المطلوب لا يمكن الوصول إليه حالياً ) ! . و ظللت أتساءل بقلق عظيم : أين أنت يا (عادل) و كيف أصبح الوصول إليك - بين ليلة و ضحاها – غير ممكن ؟

غرقت في اليأس و بقيت نهباً للهواجس : هل تعمد (عادل) أن يتهرب من مواجهتي بعد أن أخبرته بانفصالي رسمياً عن (ياسر) في رسالتي الهاتفية ؟! .. هي الفجيعة إذاً أقبلت عليّ ترفل في ثوب الخذلان

تهاويت على أقرب كرسي و رأسي يكاد ينفجر من فرط ازدحامه بالأسئلة .. لماذا ؟! .. و كيف ؟! .. و هل ؟! .. و ربما ! .. في غمرة القلق و الشعور بانعدام الوزن و الخوف الذي كان يستبد بي تذكرت جملة صادمة قال بها (عادل) بجدية ذات (ونسة) هاتفية حميمة :

ما في زول بيقدر يجزم بي حاجة .. يا سلافة أنا بشوف إنو مضمار الشجاعة الحقيقي ما الحروب المادية .. مضمار الشجاعة الحقيقي هو معارك الإنسان مع نفسه .. مع خياراته الصعبة
يعني شنو ؟
يعني إنت و أنا مثلاً .. رغم الحب الكبير الـ جمع بيننا .. ممكن جداً واحد فينا يخذل التاني في لحظة القرار الصعبة
كيف ؟
يعني .. مثلاً .. إنتِ تحصل ليك ظروف تمنع ارتباطنا الشرعي .. أو .. ظروفك إنت تكون مواتية لكن أنا أتردد
ظللت أستحلب تفاصيل ذلك الحوار و شعوري بالخذلان يتعاظم . أغمضت عيني و أمسكت رأسي بين يدي و الحيرة تدفع عقلي إلى حافة الجنون . و تساءلت من جديد : هل شعر (عادل) بالتردد في تحقيق وعوده بعد أن أصبحت حرة فآثر الهرب من مواجهتي إلى أن يحسم أمر تردده ؟

انهمرت الدموع من عيني و انخرطت في البكاء . و في اللحظة التي هممت فيها بمغادرة المكتب رأيت (عادل) يقف أمامي و في عينيه حزن هائل و شيء آخر يشبه الدموع


يتبـــــــــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2009, 04:04 PM   #14
الحفراوي
عضو جيّد جداً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 1,628
التوقيع
&& اللهم إنا نرجو رحمتك ونخشى عذابك &&
الحفراوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2009, 01:32 PM   #15
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
قضى الله ان البغى يصرع اهله وعلى الباغي تدور الدوائر
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2009, 05:54 PM   #16
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018

(9)
أحببته ظالماً و مظلوماً


لجزء من الثانية ظننت أن الذي يقف أمامي هو طيفه الذي بات يسكنني في صحوي، و منامي، و هجعتي، و ثوراتي . طيفه الذي احتل مسامي منذ أحببته بكل ما أوتيت من أنوثة، و عقل، و بسالة، و خراقة . منذ غنَّيتُه إلياذة عشق لم تُسمِعها امرأة رجلاً في التاريخ . منذ أحرقت مركبي الوحيد و اخترته شاطئاً أبدياً و راهنت على صدق وعوده بسمعتي، و على إخلاص نواياه بنظافة سيرتي بين الناس

لجزء من الثانية ظننت نفسي واهمة ألوذ بطيفه من سطوة الحزن و اليأس، لكن طيف حبيبي الذي أعرفه كخطوط يدي كان دوماً باسماً و في عينيه حنان يهدهد أوجاعي و يعدني بقطاف الصبر، أما الذي كان يقف أمامي ساعتها فرجل حزين و في عينيه شيء يشبه الدموع

أغمضت عيني و اعتصرت أجفاني بأصابع مرتجفة، اعتصرتهما كي تجف دموعي فأحسم أمر ذلك الخيال الذي كان يشبه حبيبي و لا يشبه طيفه . فتحت عيني فرأيت (عادل) يقف أمامي بـ (العمَّة) و (الجلابيَّة) و ينظر في عيني بعينين متعبتين . العمة التي كانت تحيط بملامح وجهه و التي كان منظرها و هي تلف رأسه جديداً عليَّ أغرتني بتأمل وجهه البريء الأعزل عن وقار الشيب

جزء غير يسير من الفضل في أناقة (عادل) الفادحة و جاذبيته الأخاذة كان يعود إلى خصلات شعره الرمادية التي كانت تصنع إطاراً لربطات العنق المنمقة و البذلات الأنيقة، و تكمل صورة الأناقة الحكيمة لإطلالة رجل خبر الحياة جيداً، و صرعته ظروفها حينا، و صرعها أحيانا، فلم يعد يدهشه شيء، و لم يعد يزعزع وقاره ما يهز الشباب الذين يغرقون في شبر ماء من أمثال (ياسر) . كل شعرة بيضاء كانت قصة تشهد على كل هذا و تدلل عليه توارت خلف العمَّة في ذلك اليوم فبدت لي أساريره غارقة في الحزن و الوجع

بحثت عن صوتي فخرج غائماً يشبه البكاء :
- عادل ؟! .. إنت وين .. يا عادل ؟! .. و ينك ؟! .. وين إنت ؟

وجه (عادل) الذي جردته العمة من ديكور الحكمة الرمادي أعاده في عيني طفلاً عاجزاً ينادني لآخذ وجهه الصغير بين يدي، راقبت بجزع ذلك الشيء الذي يشبه الدموع يفر من عينيه و ينزلق على خديه، أرعبني صوته الذي خرج مختنقا، متقطعاً بالعبرات :

صلاح توفى في حادث حركة
شنو ؟! .. صلاح ؟
أيوه .. أمبارح بعد المغرب أهله ضربوا لي .. سافرت معاهم .. حضرت الدفن .. يا دوب راجع من هناك .. لسة ما مشيت البيت
عادل .. أنا .. آآ ..ضربت ليك كتير .. كنت عايزاك ضروري
المنطقة بتاعتهم ما فيها إرسال .. موبايلي ما كان شغال .. خير ؟
لأ .. ما في حاجة كل خير .. أنا رأيي إنك تمشي البيت ترتاح .. ما في حاجة عاجلة في المكتب تتطلب وجودك

عرفت (صلاح) أستاذاً في الكلية ثم صديقاً حميماً لـ (عادل) ظل يرقب ملامح علاقتنا الغريبة بصمت و تفهُّم، لم نسأله يوماً هل كان مصطنعاً أم حقيقياً . لم أسأل (عادل) يوماً هل كان (صلاح) يعلم بأمر ما بيننا حقاً أم لا . إنما الذي كنت أكيدة منه هو أن (عادل) كان يلغي التحفظ الذي يعاملني به في معية الآخرين عندما نجتمع هو و أنا وحدنا في وجود (صلاح)

عذبتني فجيعة (عادل) بفقد عزيزه (صلاح) و آلمني اتهامي لإخلاصه و حكمي بإعدام صدقه دون أن أعرف دفوعه، و دون أن أوجد له عذرا غيابياً و لو إلى حين

لم يخذلني (عادل) أو على الأقل لم يكن التردد و الشروع في الخذلان هو سبب اختفائه المفاجئ . هو برئ إذاً من كل تهمي، و ما يزال حبيبي الذي أغضبت كل من حولي لأنعم برضاه، و غمرتهم بالكآبة ليصفو له حبي، و أذقتهم المرارة كي أحلو في عينيه، و حكمت على سيرتي بالخراب لأجل سواد عينيه

أنهيت يومي في المكتب بصعوبة، عدت إلى البيت و اعتصمت بغرفتي هرباً من سخط أهلي . و عندما هاتفني عادل في المساء أتاني صوته متهدج النبرات :

سلافة .. أنا يا دوب قريت الرسالة .. ليه ما كلمتيني من قبيل
ما كان وقته
طيب .. بكرة وقته .. بكرة ح نناقش الحصل أمبارح .. و الـ مفروض يحصل بعد دا .. من الألف إلى الياء
....................

في تلك الليلة تمنيت أن تموت عقارب الساعات

يتبـــــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-07-2009, 05:17 PM   #17
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
(10)
وضع النقاط على الحروف

بعد مُمَاحكة و (ونسة باب) طوييييلة بين آخر ذيول الليل و أول فلول الفجر طلع الصباح، بعد (لياقة) و لؤم صاح أقرب (ديك)، بعد (مكاواة) و تواطؤ مع الحرائق التي كانت تشعل روحي فـ أكاد أشعل في إثرها جسدي دق (سيد اللبن) باب البيت، و تعالى صياح أطفال المدارس، و بدأت مذيعة البرنامج الإذاعي التي يحتسي والدي شاي الصباح على طنين صوتها تزن .. و تزن

بعد تحقق شروط الجلَبة الصباحيَّة التي اعتدتُ أن أتسلل في أثناءها إلى (باب الشارع) بخفة اللصوص التي أكسبني إياها إذلالهم و هواني عليهم و عقابهم الذي طال و تفاقم حتى تحوَّر إلى جفاء . و بعد آخر دمعتين في نوبة بكائي الصباحية نهضتُ من فراشي الذي تخشبت فوقه لساعات طوال أحدق في الفراغ المظلم بانتظار الصباح

مارست طقوسي المعتادة على عجل، تسللت بخفة، أغلقت باب البيت خلفي بحذر . زحام شوارع الخرطوم كاد كعادته أن يصيبني بالجنون و العربات التي اعتدت على زحفها الرتيب كاد تكدسها أن ينتزع مني في ذلك اليوم صرخة طويلة . راودتني رغبة عارمة في الصراخ في وجوه المارة و السائقين و عساكر المرور . و تساءلت بجدية : لم لا ؟! . كانوا سيلتفتون إلىّ بقلة اكتراث كما يفعلون مع المجانين الذين يعتلون (الصواني) و يلوحون للسائقين، و كنت سأرتاح قليلاً

وصلت إلى المكتب فلاحظت أن زملائي قد خرجوا إلى المحاكم، و رأيت السكرتيرة تثرثر على الهاتف بصوت هامس فحمدت الله على انشغالها و اتجهت بلهفة نحو مكتب (عادل) . كان جالساً على مكتبه مستغرقاً في التفكير واضعاً رأسه بين يديه . وقفت أمامه فرفع رأسه و ابتسم لكن آثار الحزن كانت ترسم خطوطها العنيدة على وجهه

كشأن جميع النساء تحدثت عن أمر آخر و تجنبت أن أكون البادئة بالكلام عن ما ظللت ساهرة طوال الليل أفكر بشأنه و أخشى عواقبه . كنت أشير بيدي في ارتباك و أتظاهر بالاهتمام و أنا أسأل عن بقية الزملاء و عن العمل و الاجتماعات و الجلسات

لكن أجمل ما في علاقتي بـ (عادل) هو أنه قد فهمني جيداً و استوعب شخصيتي بكل ما فيها من متناقضات و جمال و مثالب، معه لم أكن أشعر بحاجة إلى الشرح أو التبرير و لم يكن يشعرني بحاجته إلى السؤال . عندما تظاهرت ساعتها بالاهتمام بشأن آخر غير الأمر الذي كاد فرط القلق بشأنه يُقلّني إلى حافة الجنون ابتسم (عادل) و نظر في عيني بما يشبه العتاب و كأنه يخبرني بأنه لا مبرر أو معنى لإخفاء لهفتي

سلافة .. الحصل شنو بالضبط .. عايز أعرف التفاصيل

و كأنه أطار بكلماته تلك طائر الحزن الذي ظل رابضاً في صدري و أنا أكابد اللوم و التأنيب و العقاب منذ وقعت واقعة انفصال حياتي عن كل ما يختص بـ حياة (ياسر) إلى الأبد . كانت تلك أول كلمات حانية حادبة أسمعها بعد ساعات عصيبة قضيتها في انتظاره . بكيت و رويت له تفاصيل و أحداث الحرب التي ظللت أخوضها لأجله وحدي

بعدها تحدث (عادل) طويلاً، و قال كلاماً كثيراً عن الخيار و الشجاعة و الصبر و التعقل . كنت أسمعه بنصف انتباه و عقلي يفكر و يفكر في احتمال خذلانه لي بعد كل هذه المقدمات المنمقة . كنت دوماً و ما زلت أفضل الكلام الصريح و الدخول مباشرة في عمق الموضوع - أي موضوع - و أكره المقدمات . لذا بدأ صبري يومها يشارف على النفاذ و هممت بمصارحته بنفاذ صبري لكنه و كعادته لم يخذلني

بدأ (عادل) أخيراً يتحدث عن الوقت المناسب لزواجنا و عن توقعاته بشأن موقف أهلي و (ناس المكتب) و عن موقف أولاده و موقف (رجاء) من فكرة زواجه بأخرى . كنا قد ناقشنا كل هذا في الأيام و الشهور الماضية، لكني كنت أود سماعه مجدداً و بوضوح أكبر حتى أكون أكيده من أنه ما يزال على العهد الذي أقسم عليه

في تلك اللحظات ألقيت بتحفظي الأنثوي إلى أقرب (سهلة) و ناقشته مطولاً عن كل تفاصيل مصيرنا المشترك الذي خططنا لأجله طويلاً و سعينا إلى تحققه معاً . و عندما غادرت المكتب في عصر ذلك اليوم كنت قد انتزعت منه وعداً بتنفيذ أول خطوتين في مشروع زواجنا

أولهما أن يزور أهلي في أقرب فرصة ليخبرهم بأنه يريدني زوجة، و لا يهم إن خمنوا بأني قد فعلت كل ما فعلت لأجله، المهم أن يفعل و الباقي عليّ أنا
أما ثاني الخطوتين و أهمهما : أن يخبر (رجاء) بقرار زواجه منِّي و أن يمهد للقائي إياها قبل أن نتشارك – هي و أنا – شرعياً و رسمياً قلب و عقل رجل واحد


يتبــــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2009, 06:56 PM   #18
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alklaklah مشاهدة المشاركة
(11)
ملامح الفرح

(برومثيوس) كان طائر (الرخ) ينهش كبده في الصباح فتنمو له في الليل كبد جديدة، لا شيء إلا ليعاود (الرخ) التهامها من جديد .. و (سيزيف) كان يدحرج صخرة عملاقة يصعد بها إلى قمة الجبل، فتسقط الصخرة إلى القاع ليعاود دحرتها نحو القمة

و (بنيلوب) فاتنة (الأوديسا) الإغريقية أرهقت صبر (العرسان) بطول أملها في عودة حبيبها الغائب، و جعلت من اكتمال تطريز (ثوبها) حجَُّتها لحلول لحظة اختيارها أحدهم .. فكانت تفكُّ ما طرَّزته في المساء لتعاود غزله في الصباح، حتى يطول انتظارهم و حتى يعود حبيبها

و مثل عذاب أبطال الأساطير كان الانتظار ينهش كبدي فأدحرج صبري إلى قمة التفاؤل في النهار مستعينة بجرعات القوة التي كنت أستمدها من الغوص في سواد عيني (عادل)، و حين يجن الليل و أستلقي وحيدة في فراشي كان صبري يسقط في هوة اليأس و الخوف من ملامح الغد الغامضة

كان انتظاري ليوم زواجي من (عادل) هو طائر (الرخ) و صخرة (سيزيف) و غزل (بنيلوب) الذي لا يكتمل .. لكني ظللت أبدد وحشتي بأحلام اليقظة، و أعلل نفسي بمنطق حبيبي القائل بوجوب الانتظار لاعتبارات العرف و التقاليد، و هكذا بقيت أدفن وجعي في سواد عينيه صباحاً و أهدهده بوعود الغد الأفضل ليلاً



و هكذا .. مرت الأيام بطيئة .. رتيبة .. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي جلس فيه (عادل) في (صالون) بيتنا .. و نظر بثبات إلى عيني والدي و أخبره كيف و كم يريدني زوجة .. و غادرنا تاركاً إياي لجحيم عيونهم الذي أججته زيارته القصيرة من جديد
أيام عصيبة قضيتها يتقاذفني جحيم عيونهم و تسلقني ألسنتهم .. أقف وحيدة في وجه كلام والدي عن هم البنات الذي يرافق الآباء التعساء من أمثاله حتى الممات .. و حكايات أمي المليئة بالثقوب و المتناقضات و التي كانت تدلقها على مسامعي صباح مساء علني أرعوي و أثوب إلى رشدي بعد أن أعرف المصير البائس الذي حاق بالكثيرات ممن تزوجن بـ (رجال نسوان) أذاقوهم الويل و الثبور بمعية زوجاتهم الأُوَل

ظللت لفترة طويلة أعقبت تلك الأيام السود الحالكات مدينة لوعكة (الملاريا) التي أصابتني .. بقيت لسنوات مدينة ذلك المرض الطفيلي الذي أوقفني على تخوم الموت، و عجَّل بموافقة أهلي على زواجي من (عادل) و الذي كانوا يرون فيه مصيبة تبقى أخف وطئاً على نفوسهم الساخطة من أن أموت حزناً بين أيديهم

تماثلت للشفاء بعد أن سمعت والدي يخاطب أمي قائلاً بصوت ساخط :

خلاص .. خليها تعرس الزفت دا و تطير معاه في ستين داهية بدل ما تموت علينا

يومها ابتسمت لأول مرة منذ شهور طويلة و دسست يدي الواهنة من فرط المرض تحت وسادتي أبحث عن هاتفي الجوال لأزف النبأ العظيم إلى حبيبي (عادل) الذي كان يراه والدي (زفتاً) .. كهلاً مخادعاً .. زوجاً زائغ العينين .. غرر بصغيرته الحمقاء .. و أفسد حياتها ليلهو بها قليلاً قبل أن (يجدعها) إلى أحضانهم من جديد

بينما كنت أرى في ذلك العريس (الزفت) الذي كرهه والدي قبل أن يتعرف إليه السبب المنطقي الوحيد لبقائي على قيد الحياة .. و الرجل الوحيد في هذا العالم الذي أردته و تمنيته من كل قلبي .. تمنيته حد الثورة .. والوجع .. و الموت

وضعت معركتي مع والديّ أوزارها .. أسعدني انطفاؤها و أفرحني انتصاري .. فتذوقت نشوته غير عابئة بالخسائر .. المهم أن (عادل) سيكون زوجي بعد طول انتظار .. انتهت المعركة و بقي أمر وحيد .. هو حربي الباردة مع (رجاء)

بعد موافقة أهلي .. حاصرتُ (عادل) بسؤال صامت ظل يسكن عيني أياماً حسبتها أعواماً قبل أن يتنهد بعمق و يخاطبني قائلاً بصوت هامس :

الليلة ح أكلّم رجاء

يومها خفق قلبي بعنف .. و ارتجف جسدي .. و إن كنت قد ابتسمت في وجهه متظاهرة بالهدوء .. و في المساء بقيت ساهرة أفكر .. و أفكر .. و أفكر .. كيف أن مخاوف غريمتي (رجاء) ستنتقل - خلال ساعات فقط - من مرحلة الشك إلى مرحلة اليقين .. و كيف أن شكوكها بشأن علاقتي و (عادل) ستأخذ بعداً جديداً لن تغفر عواقبه لكلينا ما حيينا
كيف ستحتمل (رجاء) انتقال علاقتي بزوجها إلى مرحلة (التأبيد) المسبوق بالإصرار و االترصُّد ؟
يتبع

مني أبوزيد
----------------------------------------------
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-12-2009, 08:56 AM   #19
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
12
رجاء تعلن حربها


بقيتُ صامتةً أحدق في رماد سيجارة عمِّي (محمود) الذي كان يتوهج كلما سكت عنِّي و أطبق على رأسها بشفتيه، و ينطفئ كلما عاود تقريعي و هو ينفث دخانها في وجهي :

- رجاء دي ما زولة بسيطة .. و عادل بعزها جداً على فكرة .. و لو قال ليك كلام غير كدا يكون كذَّب عليك
- لو كانت أي واحدة تانية غيرك إنت بالذات يا سلافة ما كنت ح أستغرب قدر دا ! .. و عادل ذاتو .. كيف يعمل كدا ؟

كان عمِّي (محمود) يتأهب للعودة من غربته الباردة في عطلة قصيرة يقضيها بين أهله و أصدقاءه عندما فوجئ بمكالمتين هاتفيتين تزفان إليه نبأ شروعي في الزواج من (عادل) . إحداهما كانت من والدي الذي نقل إليه الحدث فيما يشبه (النعي) و الأخرى كانت من (عادل) الذي نقل إليه الخبر بصيغة تقريرية أغضبته كثيراً
لذا فقد لُذْتُ يومها بالصمت و تركته ينفث حنقه و غيظه في وجهي مع دخان سيجارته ليقيني بأنه لا طائل من (اللَّت و العجن) في هذا الشأن .. هذا من جهة، و لأني قد أوجدت له العذر في ثورته التي كان يشعلها شعوره بالحرج من (رجاء) و من شقيقها الذي كان و ما يزال صديقه، من جهة أخرى

و على العكس من رؤية عمِّي (محمود) كنت أرى قرار الزواج من أخرى أمراً ينتجه استعداد كامن في طبيعة الرجل و تركيبته النفسية .. استعداد غير مرتهن بعطاء الزوجة من تقصيرها .. أو جمالها من قبحها .. أو حتى صغر سنها من كبره .. بل بالمقدرة على تنفيذه و احتمال تبعاته و الثبات عليه لقناعة حقيقية بسداد الفكرة

و هو إلى جانب ذلك قرار لا تنفي وقوعه رقابة الزوجة الدائمة أو إصرارها على تضييق الخناق على كل حركات الزواج و سكناته .. و إلا لأفلح رادار (رجاء) - الذي ظل يعمل بكفاءة طيلة العشرين عام التي دام فيها زواجها من (عادل) - في صد هجماتي الشرسة و الدءوبة على حدود مملكتها السعيدة

تلك الـ (رجاء) التي لم يتحدث (عادل) عنها بسوء قط .. و لم يقلل من شأنها يوماً أمامي .. بل أنه كان يثني على بعض خصالها في كثبر من الأحيان، و عندما كنا نصل في حديثنا إلى منعطف السؤال الحرج : (هل يحبها فعلاً ؟! ) كان يهز كتفيه باستسلام و كأنه يقول بأنه لم يتوقف يوماً ليسأل نفسه هذا السؤال .. إلى أن تعثر بي فأحبني بجنون و شغله هذا الحب عن كل شيء

بعبارة أخرى كان (عادل) يتهرب دوماً من الإجابة التي لم تكن تعنيني بقدر ما كان يؤرقني وفاءه بالوعد الذي قطعه أمامي .. أن يكلم (رجاء) و يخبرها بقرار زواجه منِّي .. أن يخبرها فقط .. لا أن ينتظر موافقتها

في صباح اليوم التالي و ما أن وقعت عيناي على وجه (عادل) حتى أدركت كم كانت معركته الليلية فظيعة و قاسية .. لعلها كانت أشرس من معركتي .. منظر عينيه المتعبتين اللتين كانتا تنطقان بالنعاس و الإرهاق جعلني أجزم بأنه ظل ساهراً طوال الليل
لطالما آمنت بأن الرجل – أي رجل – يخشى إظهار ضعفه أمام حبيبته حتى و إن كان هذا الضعف قصوراً بشرياً لا حيلة له فيه .. و يفضل دوماً أن يبقى في عينيها (السوبر مان) الذي لا يهزم، و الفارس الذي تتكئ عليه طوال الطريق

لذا فقد عرفت بحدسي الأنثوي أن (عادل) لن يخبرني - أبدا - بتفاصيل معاناته مع ردة فعل (رجاء) من قرار زواجه منِّي .. سيخبرني فقط بالوقائع الملموسة و سيدفن خوفه و ضعفه و - تردده ربما- في أعمق أعماقه

علمت منه بأن (رجاء) قد حشدت جيشها المكون من (كتيبة الأبناء و البنات) الساخطين .. الغاضبين .. من والدهم .. الواقفين دوماً في الصفوف الأمامية لجيش أمهم العرمرم .. و بالإضافة إلى كتيبة الأبناء ضمت (رجاء) إلى جيشها فيلقين مؤثرين :

(فيلق أهلها الذي أعربوا عن سخطهم و غضبهم و هددوه بالويل و الثبور المتمثل في (رمي طوبته) كنسيب .. و عظائم الأمور التي تتلخص في مؤازرة ابنتهم في شأن أي قرار حتى و إن كان قرار الطلاق ! .. و (فيلق أهله الخائفين على أسرته من التفكك و على أبناءه من الحزن و الضياع .. و الذين صرحوا بشجبهم و تنديدهم للفكرة على إطلاقها ) .. و بالطبع لم ينس الجميع أن يلعنوا تلك الأفعى التي تتلذذ بخطف (رجال النسوان) !

كل هذا لم يكن يعنيني في شيء .. الذي كان يعنيني هو قرار (عادل) .. قرار الرجل الذي أحرقت لأجله مركبي الوحيد و اخترته شاطئاً أبدياً

يومها تأملت وجهه المتعب بكثير من الإشفاق و في عيني سؤال صامت .. ترى هل أحبني (عادل) حد الوجع .. و القسوة .. حد الشراسة و الثورة .. حد الأنانية و التمرد .. حد التضحية بسعادة أحبائه كما فعلت أنا ؟
ملأني الإشفاق عليه و رثيت لحاله .. فأعفيته من ذلك الطلب القاسي .. أعفيته من إلحاحي على أن يجمعني بـ (رجاء) قبل زواجنا .. لكني عزمت على أن أسعى للقائها بمفردي .. وحدي .. و دون أن أخبر (عادل) .. و قد كان

يتبع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-14-2009, 05:03 PM   #20
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018

(13)
وجهاً لوجه .. و جرحاً لجرح


في تلك الأيام العصيبة التي تلت إعلان (عادل) عن شروعه في الزواج من أخرى دأب بعض أفراد أسرته و أسرة (رجاء) على زيارة المكتب و الانفراد بحبيبي في محاولات بائسة لثنيه عن عزمه . كنت أرقب الباب المغلق عليه مع وفود اللوم و التحريض بقلق رغم يقيني من صدقه و بقاءه على العهد

بمرور الوقت خفَّ سواد الهالات التي كانت تحيط بعيني (عادل) و انفرجت أساريره قليلاً فأيقنت أن فيالق جيش (رجاء) لم تقو على دك حصونه الراسخة في حبي .. شيء من الارتياح بدأ يتسلل إلى نبرة صوته أنبأني بأن مخاوفه بشأن فقدان ولاء أبناءه قد تبددت، و بأنه بات يستبشر خيراً بمستقبلنا معاً .. كلنا .. هو .. و هم .. و أمهم .. و أنا .. و أبنائي القابعين في رحم الغيب إلى حين

توقعت أن تبادر (رجاء) بهجمة من تلك الهجمات الرخيصة البائسة التي تشنها الزوجات الأُوَل على الشريكات الجدد هاتفياً أو وجهاً لوجه .. لكنها لم تفعل .. تجاهلتني تماماً و كأنها تقول بأن قضيتها هي قضية مبدأ و لا يهم نوع الحشرة التي حطت على صحن طعامها المفضل .. فكل ما يعنيها هو وقوع تلك القذارة التي لوثت الصحن

ذات صباح مشمس و بدافع من هاتف يمتزج فيه الخير بالشر ارتديت أكثر أثوابي أناقة و تزينت على نحو مستفز و يممت وجهي شطر مكتبها .. مكتب رجاء !
أدخلتني عليها سكرتيرة لطيفة من ذلك النوع الذي تبدو عليه أعراض الفرح الدائم . لاحظتُ بخبث أن مكتبها يفتقر بشدة إلى لمسات الأناقة على الرغم من أثاثه الفاخر

هبت (رجاء) واقفة .. انتصبت كالرمح .. كانت ترمقني بكراهية و هي ترتجف من الغضب .. أما أنا فقد جوَّلتُ عينيَّ بهدوء في ملامح ذلك الوجه و تضاريس ذلك الجسد الذي استأثر بشباب (عادل) لأكثر من عشرين عام

رأيت بنظرة الغريمة امرأة تفصلها عن الخمسين بضعة فراسخ تحاول أن توقف زحف السنوات الغاشم بالمبالغة في الحرص على زينتها التقليدية .. الأصابع (المقمَّعة) بحناء حالكة السواد و المرصعة بخواتم كبيرة مليئة بالفصوص .. و (الغوايش) الضخمة المدببة كالأصفاد .. و العينين المحشوتين بكحل يفيض عن حاجتهما فتسيل بقاياه أسفل الجفنين

أما خلفية اللوحة فكانت (دخان) برتقالي غامق تزداد كثافته على أطراف اليدين و القدمين ... صورة نمطية لزوجة في منتصف الأربعينات لرجل ميسور الحال و موظفة حكومية من ذوات الشأن و الدخل الجيد .. زوجة و موظفة أربعينية ذات شخصية تكللها صرامة فرضتها مقتضيات منصبها الإداري تتناقض بشدة مع جنوحها الحاد نحو إظهار الأنوثة في الهيئة و الملبس

تأملت (دخانها) البرتقالي الذي كان يشبه شموساً تحتضر في شفق المغيب و رأيتها يعين الخيال و هي ترفل - بزينتها البلدية تلك - في ثوب منزلي شفاف أمام عيني حبيبي (عادل) فكدت أصاب بالجنون .. من قال إن الحب عاطفة ديمقراطية تقبل القسمة على اثنين ؟! . ما الحبيب إلا ديكتاتور طائش يطيح بكل ما يعترض طريق استئثاره بنصفه الآخر

منحتني وقفتها الغاضبة الصامتة بضع ثوان لأفكر بكل هذا قبل أن أغلق بنفسي باب مكتبها الذي تركته السكرتيرة (الفرحانة) مشرعاً . تقدمت نحوها بهدوء و أنا أخاطبها قائلة – بلا مقدمات – و بتهذيب يشبه الوقاحة :

- ممكن نتكلم شوية
- كلمتين و ح امشي

لم أكن يومها مدركة لمدى وقاحة زيارتي تلك من وجهة نظر (رجاء) . فقط كنت أود أن أبدأ حياتي مع (عادل) بخطوة مثالية توسمت فيها أن تقيني شر حرب زوجته، كما راودتني رغبة غامضة في إقناعها بقوتي و صلابتي و ثباتي على العهد الذي قطعته على نفسي بأن أكون ملكاً خالصاً لـ (عادل) مدى الحياة

لكن ردة فعل (رجاء) يومها جعلتني أشعر أن خوفها على شكلها الاجتماعي كان أكبر من خوفها على خصوصية و دفء علاقتها بزوجها .. و أن خوفها من مشاركة أطفالي المفترض قدومهم لأبنائها في حقوقهم المستقبلية في مال أبيهم الذي جمعه بفضل وقوفها بجانبه لسنوات طوال كان أعظم من حسرتها على (عادل) في "رقبته" كزوج و حبيب

كنت أعتقد بأن التي تعيش في كنف (عادل) يوماً واحداً سيشغلها الذوبان في عشقه و الغوص في سواد عينيه عن كل شيء سواه .. ستكون أنثى عاشقة لا زوجة تقليدية . إنما .. كانت لـ (رجاء) آراؤها المغايرة تماماً فقد أشارت يومها بسبابتها (المقمَّعة) نحو باب مكتبها و قامت بطردي شر طردة، و لم تنس بالطبع أن تحرص على أن يخرج صوتها هامساً و هي تردف في كراهية :

- عادل طاير أشبعي بيهو .. لكن حقي و حق أولادي ما ح أفرِّط فيه .. و الأملاك الخاتَّة عينك عليها ح تتسجل باسمي و اسم أولادي


يتبـــــع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2009, 05:50 PM   #21
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
(14)
زوجتك نفسي

بينما كانت نساء (الحِلَّة) و العائلة يتهامسن عليَّ و يسلقنني بألسنة حداد .. و يتهكمن على العريس الكهل (راجل المرة) الذي اضطررت إلى الزواج منه بعد أن ركلني (ياسر) خارج أسوار حياته - لأسباب مجهولة و إن كانت غير عصية على التخمين - بحسب منطقهن الغيور و الشرير

و بينما كانت (رجاء) تذرف دموع الغيظ و الندم و تفكر بالخسائر التي حاقت بها و الأرباح التي استطاعت أن تحافظ عليها بعد تقويضي استقرار زواجها الذي دام لأكثر من عشرين عام .. كنتُ في ذلك اليوم غارقة في البكاء .. ينهشني القلق من المفاجآت و (العوارض) .. و يملؤني الخوف على حلم حياتي الذي سيتحول خلال دقائق إلى واقع جليل ألمسه بيدي .. و ألفظه بشفتي .. و أتذوق طعمه رشفة .. رشفة .. و أسكنه بكل جوارحي

(زوجتك نفسي على سنة الله و رسوله) ! .. تلك العبارة المرحلية (الهائلة) التي نقلتني من عذاب الشك إلى نور اليقين و أحالت قلقي و تململي إلى هجعة و سكون .. تلك الكلمات التي توَّجت كفاحي المُثاِبر و منحت حبي لـ (عادل) إطاره الشرعي و إشهاره الذي شققت طريقي إليه بالصبر و الدموع
تلك الكلمات التي لفظوها بالإنابة عنِّي على نية التأبيد المسبوق بعظيم إصراري و طويل ترصدي .. ليتني كنت أملك أن أُسمعها حبيبي بالأصالة عن نفسي أمام الملأ .. أن أغنيها بعذوبة و أنا أغوص في سواد عينيه .. فيرقص المتربِّصون .. و المنافقون .. و الجبناء على لحنها علَّهم يتعلمون منِّي كيف يكون الحب

انفض السامر .. و تفرق (المنظراتية) و النمَّامون و الساخطون و المتنبئون و (المتاعيس) .. و ذهبت العروس (القاهر) إلى أحضان العريس الذي أحبته حد الثورة .. و الوجع .. و الموت .. و أشقت الكثيرين لتنعم برضاه .. و غامرت بنظافة سيرتها بين الناس لأجل سواد عينيه

تذوقت بهدوء نشوة كل لحظة من تلك الأيام التي تحققت فيها معظم أحلامي و لأول مرة .. لأول مرة كنت أعيش تعاقب الليل و النهار و أنا أقرب إلي حبيبي من مسامه .. لأول مرة كنت أستيقظ في الصباح فأراه نائماً بجواري .. لأول مرة كنت أخرج برفقته إلى العالم .. أنظر في وجوه الناس بثقة .. و أدفن أصابعي في كفه غير عابئة بعيونهم المتربصة

لأول مرة أنسى (رجاء) و أشعر بأن (عادل) ملكي وحدي .. حلالي .. حقي .. يقيني الكامل .. و الخالص .. و المتجرد عن كل حسابات الخوف .. و اعتباراته القاسية .. و افتراضاته المستقبلية القاتمة

انقضت أيام العسل المصفَّى سريعاً و كأنها بضع دقائق معدودات .. و كان لا بد أن أفيق على واقع جديد .. واقع يقول به مصطلح (البيت الثاني) الذي أصبح يتردد كثيراً على لسان (عادل) .. و لسان أصدقاءه و زبائنه .. و لساني.. و الذي سيضطر لسان (رجاء) أيضاً إلى ترديده كارهاً مرغماً و لو بعد حين

أول مرة سمعت فيها مصطلح (البيت الثاني) جاءني مضمناً في جملة هامسة أعلن من خلالها (عادل) و بما يشبه الاعتذار بدء عودته الجبرية إلى أحضان (رجاء) .. و بدء عودتها الطوعية إلى المطالبة بحقها فيه .. بنصفها الذي (حردته) في سورة غضبتها الكبرى لكنها ما لبثت أن حنَّت و آثرت الغفران (عشان المركب تمشي) كما كانت تردد في العلن .. و (عشان دايراك إنت في عضمك) كما كنت أردد في خبث على مسامع (عادل)

أول ليلة عاد فيها (عادل) إلى أحضان (رجاء) قضيتها ساهرة حتى طلوع الصباح .. أبكي و أنتحب و أنا أرى بعين خيالي محاولات الاسترضاء .. و مواويل (التحنيس) التي سيسكبها – و لا بد - على مسامعها .. تخيلته و هو يستعطفها و يمعن في تدليلها .. تخيلتهما يعودان إلى سابق عهدهما معاً في كل شيء

تخيلته و هو يفيق – بعدها - كالمذهول على حقيقة زواجه منِّي .. يتأمل شريكة عمره و رفيقة دربه التي أوجعها بالوقوع في غرامي .. و يهز رأسه في أسف و حزن .. لكنِّي كنت أثوب إلى رشدي بطلوع الصباح و أطرد مخاوفي تلك عندما أراه يعود إلىَّ في كل مرة و في عينيه ذات اللهفة التي عهدتها أبداً

استأنفت عملي في المكتب بذات الكيفية و على ذات النحو المعتاد غير عابئة بنظرات زملائي التي كانت تقول الكثير، كنت غارقة في نشوتي أتلذذ بدخولي على (عادل) دون أن أطرق الباب، و بإغلاق ذات الباب علينا معاً دون أن أخشى العيون المتربصة، و بتمكُّني من الاستئثار برفقته نصف ساعات اليوم الخاص بـ (رجاء)، ثم كل ساعات اليوم الذي يليه

مرت الأيام و رجاء تنازعني في نصفي المكتسب الذي انتزعته بقوة الشرع و العرف و القانون من (كُلِّها) القديم
و بعد بضعة أشهر من القلق و الخوف و الأمل و الترقب إلى أن جاء اليوم المشهود، و إلى أن فتحت عيني ذات صباح باكر - و بعد ساعات من المخاض العسير – و ابتسمت بما يشبه الزهو عندما حملت بين يدي قطاف صبري الطويل، لم يكن قطاف ثورتي التي أشعلتها من أجل عيني الرجل الذي أحبتته بكل ما أوتيت من قوة و بسالة و خراقة ثمرة واحدة بل اثنتين

طوقين من ورد، قيدين من حرير و عسجد ضاعفا أرصدتي في قلب (عادل) و أحكما وثاقه إلىّ حتى مماته أو مماتي، صبيين جميلين أرسلتهما إلى أحضانه تأكيداً و توثيقاً مضاعفاً منِّي لرباطنا الأبدي، و كما توقعت استقبلت (رجاء) خبر انضمامها إلى معسكري بغيظ لم ألمها عليه

يتـــبع

مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-19-2009, 05:26 PM   #22
alklaklah
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,018
15
الوجه الآخر

استقبلت (رجاء) قدوم صغيريّ البريئين إلى حياتنا المشتركة باعتبارهما ضيفين ثقيلين، و راقبت انضمامهما الدَّاعم و المعزِّز إلى معسكري الوليد بسخط و غيظ كبيرين، لم يكن يعنيها إن كان لهذين المخلوقين الغريرين، الغافلين عن كل شيء ذنب في أحداث و صولات و جولات حربي الضروس معها أم لا ؟
كل ما كان يشغلها و يقض مضجعها هو أنهما سيشاركانها و أولادها في (أملاك الجن) و (قروش الجن) التي باتت كل همّها و شغلها الشاغل منذ اليوم الذي فجعت فيه بقرار زواجي من (عادل) . بينما تراوحت ردود أفعال إخوتهم و أخواتهم بين الضيق و التسليم بالأمر الواقع و الاحتفاء المجامِل، المستتر، و المختبئ عن عيني أمهم الساخطتين

أما أنا فقد تلونت ردة فعلي تجاه غيظها الشديد بمزيج غريب من الشماتة و التعاطف و الحيرة من لؤمها، تساءلت بحيرة حقيقية : ما الذي يصيب هذا الجيل من النساء عندما يكبر الأولاد و يصبح المتبقي من رحلة زواجهن أقل مما فات ؟

هنالك (شر ما) بات يغلف نظرة (رجاء) إلى رباط الزوجية و يلون ردود أفعالها بكثير من الأنانية و التسلط و الحرص على انحسار مساحات الرأي الممنوحة لـ (عادل) و تقنين صلاحياته في اتخاذ القرارات الخاصة بشئون أولاده

على كل حال، شاءت أم أبت، و اغتاظت أم لا، كنت أرى أن هذين الصغيرين قد أصبحا حبتين أصيلتين من حبات العقد الذي يضمنا جميعاً هي .. و أنا .. و (عادل) .. و أولادهما .. و أولادي

اعتدتُ – بمرور الوقت - على عروض المكابرة و (الفنجطة) التي لعبتها (رجاء) على مسرح حياتنا المشتركة، و كنت دوماً أقول بأن الإنسان بفطرته مجبول على الرضوخ للأمر الواقع، جميع البشر المؤمنين مفطورون على الرضا بالمقسوم و لو بعد حين، و كما يغير الزمن وجه الصخور يلين صلابة الرفض أيضاً

تبني هذه الفلسفة أعانني في الماضي على احتمال اعتراضات أهلي على مبدأ زواجي من (عادل)، كما أعانني على تجاهل ثورات (رجاء) و انقلاباتها الفاشلة على حكم زواجي من زوجها، و قد صدق حدسي

بتعاقب السنوات على زواجي المستقر أيقنت (رجاء) بأن شراكتي لها في (عادل) هي في حكم المصير، و بأنه لا سبيل إلى إقصائي عن حياتها بعد أن (لخبط) صغيريّ البريئين بأيديهما الوردية لوحتها المفنّّدة و أحالاها إلى فوضى (سوريالية) أبدية

تطبَّعت (رجاء) بيأس و على مضض مع فكرة وجودي الأصيل في حياتها و الذي لا مجال للمكابرة بشأنه . فما أن كبر الصغيران حتى أصبحا يشبهان أولادها و يشتركان معهم في طقوس أبوه (عادل) و يلتقيان معهم في خطوط ملامحه . و كم أعانني ذلك .. فاليوم عندما تجمعني المناسبات العائلية بـ (رجاء) أتجاهل - عن قلة اكتراث حقيقية لا مصطنعة - مخلفات الحرب التي تقبع بخمول في عينيها

مشكلتي اليوم لم تعد في حروب (رجاء) بل في حروبي المستمرة مع أخرى مجهولة (قد) تسرق منِّي (عادل) على ذات النحو و الكيفية التي تردد (رجاء) بأني قد سرقت بها زوجها . اليوم تسلمت (أنا) مقاليد السلطة و الرقابة الإدارية من (رجاء)، تسلمتها كاملة متبوعة بعهدتها المتمثلة في (الرادار) إياه

غرقت (رجاء) في تزويج البنات و الأولاد و قدوم الأحفاد، و استبدلت (الثياب) الصارخة بأخرى هادئة الألوان و التسريحة (المتشببة) بالحجاب، و استسلمت لزحف السنوات بينما كنت و لا أزال ألهث وراء آخر صيحات الموضة، و نقشات الحنة، و ماركات (المكياج) . و اتسعت الفجوة الجيلية التي تفصل بين عمرينا و مظهرينا بفضل استسلامها الكامل لخطوط ريشة الزمن العنيدة على وجهها و جسدها الذي بات لا قبل له بمجاراة شبابي

اتساع الفجوة شمل أيضاً مظهرينا (عادل) و أنا، كما شمل نمط حياتينا و طريقة تفكيرنا و رؤانا المتباعدة لكثير من المفاهيم و الضرورات و الصور الحياتية،
لقد أصبح ما يجمع بين (عادل) و (رجاء) اليوم أكثر و ربما أعمق من الذي يجمع بيني و بينه . فاليوم و بعد أن شارف كلاهما على الستين تجمعهما الزيارات المشتركة لذات الأطباء و لذات الأسباب المرضيَّة، كما أصبحا يعيشان معاً حياة الجد و الجدة و نجاح الأولاد و البنات و صخب الأحفاد
سفرة الطعام التي تجمعهما معاً متناغمة، ذات الأطباق الخاصة (المسيخة) الفقيرة إلى الملح و السكر، ليست كالسفرة المليئة بالمتناقضات التي تجمعني و إياه، أنا الزوجة التي ما تزال ثلاثينية بالتقريب إلى أقرب عدد عشري و أولادي الصغار الأقرب إلى أحفاده منهم إلى أبنائه بذات التقريب الحسابي

(عادل) و (رجاء) يلتقيان اليوم في لهاثهما المحموم لتكديس أرصدة الثواب الإلهي و نفورهما من كل مظاهر الجموح التي تقتات من تلك الأرصدة، و ميلهما الكبير إلى قضاء العطل السنوية الدينية بجوار المشاعر المقدسة

بينما تبعدني اليوم عن (عادل) ردود أفعالي الطفولية و تصفعني تلك الرصانة الرمادية المحبِطة التي يقابل بها جموحي . ردود أفعاله الباهتة تجاه عواطفي المحمومة - التي تنتجها فورة شبابي - تنسكب على اشتعالي كدلو من الماء البارد، و جهوده المقدرة التي يبذلها لإرضاء توقعاتي بشأن استمرار توهج ما بيننا تزيد من إحباطي و تشعرني بالذنب

اليوم باتت تغيظني ردة فعله عندما اشتعل غيرة من إحداهن فيدفع اتهاماتي بابتسامة مسكينة بمنطق مفاده أن (الفيهو كملت) و بأنه لا قبل له بغريمة ثانية أو مشروع زوجة ثالثة غير موجودة و لن تكون إلا في خيالي المتفائل
رغم كل هذا .. و رغم كل شيء .. عندما أتأمل اليوم في حجم المنغِّصات و الخسائر .. و (لستة) المثالب و السلبيات في هذا الزواج أجدني راضية عن نفسي و عن قراري الذي دفعني بقوة نحو هذا المصير الثلاثي المشترك

رغم كل شيء .. لا تؤرقني شكوك وهمية بشأن سعادة مفترضة كنت سأعيشها مع (ياسر) الذي لم أشعر نحوه يوماً بالذنب، و إن كنت قد أذنبت فقد واجهت اللوم و العقاب بشجاعة، لم أتملص من مسئوليتي تجاه أفعالي و لم أبحث عن مشجب مُستأجر أعلِّق عليه عواقبها

لم تتزحزح قناعتي لحظةً في صواب ما فعلته . فأنا على الأقل لم أستعذب دور الزوجة الخائنة التي تحب رجلا آخر و تقيم معه علاقة عائمة مجهولة المصير بل سعيت جاهدة كي أحيا مع (عادل) مغمورة بضوء الشمس أمام الملأ

لم أقنع بارتداء عباءة الفضيلة أمام مجتمع يصفق لمثالية القشور و يغمض عينيه و يغلق أنفه عن ال************ الذي يختبئ خلف تلك القشور . لم ألهث يوماً واحداً خلف تصفيق مجتمع لا أحترم معاييره المزدوجة
أنا جريئة، و ناقصة حياء، و قليلة أدب، و (خطافة رجال) بحسب رؤى البعض ربما . لكني على الأقل صادقة مع (قلة حيائي) و مخلصة لجرأتي . و الأهم من كل هذا أنني كنت و لا أزال زوجة مخلصة لقلب و جسد الرجل الذي أحببته حد الوجع، و الثورة، و الموت


انتهت الحكايــــــــة

اراءكم وتعليقاتكم


مني أبوزيد
التوقيع
*وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ، ولأنك ملء القلب ، تلونت بك كلماتي ، فأصبحت إمرأة عذبة الحديث.
*إحتجت بعض عقلي فإتخذت قرارآ بألا أذكره إلا على رأس كل ساعة ،، ولكني الفيت نفسي أقضي العمر إنتظارآ لرؤوس الساعات ، فعدلت عن القرار.
*في قلب سحابة بعيدة حفرا مخبأ لحبهما
أمطرت السحابة فإنسكب الحب على المدينة.
alklaklah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-14-2010, 08:59 AM   #23
سمل
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الإقامة: السودان حلفااااا
المشاركات: 1,108
حلووووووووووووو البوست وحلوووووالقصة اهديكم انا سودانى فى بوستكم الجميل
!
التوقيع
[media]http://www.sudanesevoice.com/media/halfa.wmv[/media]
ســـمل و د الو لــيا ب ..حلفا جزيرة كولب
سمل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-14-2010, 10:06 AM   #24
بيشـــــــــــــــــو
عضو جيّد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 798
alklaklahلك التحية والقدير
وللرائعة ذات الخيال الثري مني ابو زيد الف سلام

القصة اكتر من رائعة
ولنا ان شاءالله عودة للرد بمزاج
بيشـــــــــــــــــو غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
Protected by CBACK.de CrackerTracker